فاس تستقبل ليلة رأس السنة بيقظة احترافية تُعيد الطمأنينة وتؤكد صورة المدينة كوجهة آمنة
هشام التواتي
تبدو ليلة رأس السنة الميلادية، في مدن ذات حمولة حضارية وسياحية مثل فاس، أكثر من مجرد لحظة احتفال عابرة؛ فهي موعد تتقاطع فيه حركة الزوار مع دينامية الفضاءات العمومية، وتتعانق فيه الفرحة مع الحاجة إلى الطمأنينة والأمن والانسياب والانتظام. وفي مدينة اعتادت أن تمنح ضيوفها الإحساس بالسكينة، جاءت رسالة ولاية أمن فاس واضحة هذا العام: الاحتفال حق للجميع، لكنه لن يكون على حساب السلامة والأمن العامين، بل سيجري في إطار يقظة ميدانية مضبوطة وإجراءات مدروسة تضع الإنسان في صلب الاهتمام.
في هذا السياق، أكد والي ولاية أمن فاس، على هامش استعراض الترتيبات الأمنية بالمرآب الخلفي للمركب الرياضي بفاس، قبالة المستشفى الجامعي، أن الأمر لا يتعلق فقط بإجراءات اعتيادية تُنفَّذ يومياً، بل بجهد إضافي يراعي خصوصية هذه الليلة وما تعرفه من حركية غير مسبوقة داخل وخارج الأسوار. وقد شدد على أن الانتشار الميداني سيشمل مختلف محاور المدينة، مع إيلاء عناية خاصة للمطاعم والمؤسسات السياحية والمسارات الحيوية والأسواق العمومية، حتى تمر الأجواء في ظروف ملائمة تليق بزوار المدينة من الأجانب والمواطنين المغاربة على حد سواء. ويأتي هذا النسق من الاشتغال امتداداً لتجربة أمنية رصينة راكمتها ولاية الأمن خلال منافسات كأس أمم إفريقيا “كان 2025”، حيث بصمت الأجهزة الأمنية على تنظيم محكم قدّم صورة إيجابية عن المغرب، وأبرز مستوى الكفاءة والنجاعة والاحترافية التي تميز عملها الميداني.
ورغم الطابع الاعتيادي للعديد من الترتيبات الأمنية الجارية على مدار السنة، فإن ولاية أمن فاس تعتمد بروتوكولاً خاصاً بمناسبة احتفالات رأس السنة، يقوم على تعبئة شاملة للوسائل المادية والبشرية وتكثيف الحضور الأمني بكل من الزي النظامي والزي المدني. وقد جرى، وفق ما أكده والي الأمن، تجنيد وحدات على أهبة الاستعداد للتفاعل الفوري مع نداءات الاستغاثة عبر الخط 19، مع انتشار عناصر الهيئة الحضرية وسيارات التدخل في نقاط محددة تتيح التدخل السريع وفي الوقت المناسب. كما باشرت مختلف الفرق الأمنية مهامها مباشرة بعد الاستعراض الميداني، حيث وجّه الوالي عناصره إلى التحلي بروح المسؤولية واليقظة والحذر، حفاظاً على أمن المواطنين وضيوف المملكة خلال هذه الليلة، وبما يرقى إلى مستوى الثقة التي يضعها فيهم المدير العام للأمن الوطني.
وفي الشارع العام، كان لافتاً الجمع بين الحضور الظاهر للعناصر النظامية، وبين عمل الفرق بالزي المدني التي تتحرك بهدوء وفعالية للتدخل عند الاقتضاء. هذا التوازن بين الطمأنة والجاهزية انعكس على شعور الساكنة والزوار. يقول حسن، وهو تاجر بأحد الأحياء القريبة من وسط المدينة، إن انتشار الدوريات وسيارات التدخل يبعث على الاطمئنان، خصوصاً خلال فترات الذروة التي تعرف توافد الزبناء إلى المقاهي والمطاعم. ويرى أن هذه الترتيبات “تعطي الانطباع بأن الأمور تحت السيطرة، وأن الأمن حاضر بقوة لكنه حاضر بعقلانية”. أما عائشة، وهي أم لشابين يخرجان للاحتفال مع أصدقائهما، فتؤكد أن إحساسها بالأمان ازداد خلال السنوات الأخيرة، مضيفة أن “الاحتفال يصبح أجمل حين نعرف أن أبناءنا يتحركون في مدينة مؤمنة ومراقبة بشكل مهني ومسؤول”. بينما يعتبر يوسف، وهو طالب جامعي، أن المقاربة الأمنية أصبحت أكثر قرباً من المواطن، وأن الجمع بين الزي المدني والنظامي يرفع من مستوى النجاعة ويمنع الكثير من الانزلاقات قبل وقوعها.
ولم يقتصر تأثير هذه الترتيبات على الساكنة المحلية فحسب، بل امتد إلى زوار المدينة من مختلف الجنسيات. كاترين، وهي سائحة فرنسية اختارت قضاء نهاية السنة بفاس العتيقة، عبّرت عن انبهارها بما وصفته بـ“التواجد المنظم والهادئ للعناصر الأمنية”، مؤكدة أن إحساسها بالأمان جعلها تعيش اللحظة براحة وثقة. وبلهجة لا تخلو من إعجاب، يضيف باولو، السائح الإيطالي الذي يقيم بإحدى الإقامات السياحية القريبة من وسط المدينة، أن حضور الشرطة في النقاط الحساسة “مطمئن ومهني”، وأن ما شاهده خلال جولته المسائية “يعكس مدينة تعرف كيف تستقبل ضيوفها في أجواء آمنة ومحترمة”.
هكذا تمضي فاس نحو ليلة رأس سنة تتقاطع فيها الاحتفالات مع الحس المدني واليقظة الأمنية، في انسجام مع صورة مدينة عريقة تتجدد دون أن تفقد توازنها. وبين ثقة المواطنين ورضا الزوار، تبدو هذه الاستراتيجية الأمنية أكثر من مجرد خطة ظرفية؛ إنها امتداد لمسار من الاحترافية تراكمه الأجهزة الأمنية، وتعبير عن إرادة جماعية في جعل الفضاء العام مجالاً للفرح الآمن والمسؤول. ومع كل محطة من هذا النوع، يظل الرهان مفتوحاً على تطوير هذه التجربة، وتعزيز جسور الثقة بين المواطن ومؤسساته، حتى تظل فاس، كما عرفها تاريخها، مدينة تعيش الفرح… لكنها لا تتخلى أبداً عن الأمان.










