اندماج الشركات تحت مجهر القانون الجزائي : أطروحة دكتوراه تُثير نقاشًا علميًّا رفيعًا في جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس
هشام التواتي
في فضاء علمي راقٍ احتضنه مركز الدكتوراه التابع لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، شهدت رحاب الكلية صباح السبت 19 يوليوز 2025، مناقشة أطروحة دكتوراه في القانون الخاص تقدمت بها الطالبة الباحثة منى منير محمد علي الشريده، القادمة من المملكة الأردنية الهاشمية، والتي اختارت موضوعاً بالغ الأهمية راهنًا ومعقدًا من الناحية القانونية: “أثر اندماج الشركات على المسؤولية الجزائية – دراسة مقارنة”، تحت إشراف الأستاذ الدكتور عبد الحميد أخريف.
هذه المناقشة، التي جمعت نخبة من الأساتذة الجامعيين المرموقين، شكلت لحظة أكاديمية بامتياز. فقد تألفت لجنة التحكيم من الدكتور محمد بوزلافة، رئيسًا ومقررًا، وهو عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، المعروف بإسهاماته العميقة في تطوير البحث القانوني بالمغرب؛ إلى جانبه حضر الأستاذ المشرف الدكتور عبد الحميد أخريف، والدكاترة أحمد أنوار ناجي، عبد القادر قرموش، وأمين أعزان، وهم من الأسماء اللامعة في حقل القانون الخاص، الذين أغنوا النقاش بمداخلاتهم الدقيقة وتوجيهاتهم العلمية النيرة، دون أن تنقص ملاحظاتهم من القيمة العلمية للعمل.
الأطروحة، التي جاءت في زهاء 500 صفحة، نُوقشت بحرص أكاديمي عالٍ، وعرفت نقاشًا معمقًا تناول الجوانب النظرية والتطبيقية للموضوع، وهو ما عكس المجهود العلمي الذي بذلته الطالبة الباحثة، سواء في استقصاء النصوص المقارنة، أو في تحليل الإشكالات القانونية المرتبطة بالمسؤولية الجزائية الناتجة عن اندماج الشركات، خاصة في ظل غياب أو قصور النصوص التشريعية في بعض البلدان العربية بهذا الشأن.
في تقديمها أمام اللجنة، أبانت الطالبة عن وعي علمي رصين ومنهجية دقيقة، مستعرضة دوافع اختيارها لهذا الموضوع الذي يقع في تقاطع معقد بين القانون التجاري والقانون الجنائي، في سياق اقتصادي يشهد تسارعًا في عمليات إعادة الهيكلة والاندماج بين الكيانات الاقتصادية الكبرى. وقد ركزت في عرضها على ضرورة تأمين موازنة دقيقة بين حرية الاستثمار وحماية النظام العام، مشيرة إلى أن بعض الشركات قد تستغل عمليات الاندماج للتهرب من المسؤولية الجنائية، وهو ما يفرض تدخلًا تشريعيًا وقضائيًا حازمًا.
تميّز العرض التمهيدي للطالبة بصدق في التقدير وامتنان عميق لأستاذها المشرف، ولعائلتها، ولوطنها الأردن، وكذا للمملكة المغربية، ملكًا وشعبًا ومؤسسات، على ما وفرته من بيئة علمية محفزة، احتضنت جهودها البحثية خلال سنوات الإنجاز.
ولقد لاقت الأطروحة إجماعًا من قبل أعضاء لجنة المناقشة، الذين أشادوا بلغة البحث السليمة، وبالمنهجية المحكمة المعتمدة، وبالقيمة المضافة التي تضمنتها الدراسة مقارنة بما هو متوفر في المكتبة القانونية العربية. وقد أكدوا على أهمية نشر هذا العمل، لما يحتوي عليه من معالجة علمية رصينة، وتحليل دقيق للثغرات التشريعية التي تعتري موضوعًا شائكًا كالاندماج وتأثيره على مآل المسؤولية الجزائية.
عقب النقاش المستفيض، وانتهاء الطالبة من الإجابة عن تساؤلات اللجنة وتوضيح وجهات نظرها، اختلت اللجنة للمداولة، قبل أن تعلن قبول الأطروحة بالإجماع، وتمنح الطالبة منى الشريده شهادة الدكتوراه في الحقوق بميزة مشرف جداً، مع التوصية بالنشر.
هذا التتويج العلمي لا يعكس فقط الجهد الفردي للطالبة الباحثة، بل يؤكد مرة أخرى على دور الجامعة المغربية كمحور إقليمي متقدم في احتضان البحث العلمي الجاد، وكمجال مفتوح للتفاعل المعرفي بين النخب الأكاديمية في الوطن العربي، في قضايا تتجاوز الحدود، وتستدعي مقاربات قانونية جديدة في ضوء التحولات الاقتصادية المعاصرة