فاس–مكناس: الأكاديمية التي اختارت مواجهة الأرقام أمام الصحافة

فاس–مكناس: الأكاديمية التي اختارت مواجهة الأرقام أمام الصحافة

هشام التواتي

ليست الأرقام وحدها ما يصنع الثقة، بل القدرة على وضعها في سياقها، ومناقشتها بشفافية، وفتحها على النقاش العمومي دون تحفّظ. هكذا بدا المشهد مساء الثلاثاء 16 دجنبر 2025، حين تحوّل عرض حصيلة وبرنامج عمل الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة فاس–مكناس من تمرين مؤسساتي تقليدي إلى لحظة تواصل حقيقية، تُقرأ فيها المعطيات لا باعتبارها إنجازاً منجزاً فحسب، بل كالتزام مفتوح أمام الرأي العام التربوي والإعلامي.

في ذلك اليوم، قدّم مدير الأكاديمية، صباحا، عرضاً مفصلاً أمام المجلس الإداري الذي ترأسه وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، قبل أن يعيد مساءً فتح نفس الملف أمام الصحافة الجهوية والوطنية، أكثر من عشرين صحفيا وصحفية، في ندوة امتدت لساعتين كاملتين، بحضور مديرة ومديري المديريات الإقليمية التسع. لم يكن اللقاء مجرد استعراض بيانات وأرقام، بل كان مناسبة لإعادة رسم علاقة المؤسسة التعليمية الجهوية بالإعلام، على أساس الوضوح، وتبادل الأسئلة، والاعتراف بالتحديات دون إنكار، وبالمنجزات دون مبالغة.

الأرقام التي كشفت عنها الوثائق، والتي جرى شرحها بتفصيل وهدوء، تعكس دينامية إصلاحية متدرجة، لكنها ملموسة. فقد سجلت الجهة تحسناً واضحاً في مؤشرات التعلمات الأساسية، مع تراجع نسب التكرار بمختلف الأسلاك، وارتفاع نسبة النجاح في امتحان البكالوريا بما يفوق 12,75 نقطة، وهو معطى له دلالة قوية في سياق وطني يعرف صعوبة مزمنة في هذا السلك. كما تم تقليص الانقطاع المدرسي بنسبة 28 في المائة، أي ما يعادل الحفاظ على أزيد من 12 ألف تلميذة وتلميذ داخل المنظومة، بفضل تضافر برامج الدعم التربوي، واليقظة، والدعم الاجتماعي.

وفي مجال محاربة الاكتظاظ وتحسين ظروف التعلم، عرضت الأكاديمية معطيات دقيقة حول برمجة 49 مؤسسة تعليمية جديدة برسم الدخول المدرسي 2026/2027، وإحداث 430 حجرة دراسية إضافية، ما سيسمح بتقليص الاكتظاظ الحاد إلى مستويات غير مسبوقة، خصوصاً في السلكين الإعدادي والتأهيلي. هذه الأرقام لم تُقدَّم بوصفها وعوداً مستقبلية، بل كبرامج ممولة ومجدولة، مدعومة باستثمار يفوق 649 مليون درهم، مقابل 161 مليون درهم مخصصة للتسيير.

أما مؤسسات الريادة، فقد برزت كأحد أعمدة هذا العرض، سواء من حيث عدد المؤسسات المستهدفة أو من حيث نتائج التحكم في التعلمات. فقد شمل برنامج التأهيل والتجهيز أزيد من ألف مؤسسة، مع مؤشرات إيجابية في مستوى التمكن من التعلمات الأساس والمتوسطة، ما يعكس تحوّلاً تدريجياً في الممارسة الصفية، وليس مجرد تغيير في التسمية أو الإطار النظري.

غير أن ما منح لهذا العرض بعده الإنساني والسياسي التربوي في آن واحد، لم يكن فقط كثافة الأرقام، بل طريقة التفاعل معها. فقد واجه مدير الأكاديمية، مرفوقاً بفريقه الإقليمي كاملاً، أسئلة الصحفيات والصحفيين دون تحفظ، واستمع لملاحظاتهم وانتقاداتهم، وحرص على توضيح ما يحتاج إلى توضيح، والاعتراف بما لا يزال يحتاج إلى تحسين. وقد لقيت دعوته الصريحة للإعلام إلى تسليط الضوء أيضاً على الاختلالات، لا بقصد التشهير، بل بهدف التجويد، ترحيباً واضحاً من الجسم الصحفي، الذي ثمّن هذا النفس التواصلي النادر في مثل هذه اللقاءات.

لقد بدا واضحاً، من خلال هذا الموعد، أن الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة فاس–مكناس لا تراهن فقط على تحسين المؤشرات الرقمية، بل على بناء مناخ ثقة مع محيطها، أساسه الاعتراف بالمجهود الجماعي، والانفتاح على النقد، والإيمان بأن إصلاح المدرسة العمومية مسؤولية مشتركة لا تكتمل دون إعلام مهني، يقظ، ومواكب.

هي لحظة يمكن اعتبارها محطة تقييم، لكنها أيضاً إعلان نية: أن تكون الأرقام في خدمة المتعلم، وأن يكون التواصل في خدمة الإصلاح. وما بين ما تحقق وما ينتظر أن يتحقق، يبقى الرهان مفتوحاً على استمرار هذا النفس، لأن المدرسة، في نهاية المطاف، لا تُصلَح بالقرارات وحدها، بل بالحوار الدائم حولها.