أكاديمية فاس مكناس ونارسا: تكامل تربوي ومؤسساتي يحوّل أندية السلامة الطرقية إلى مشروع مجتمعي

أكاديمية فاس مكناس ونارسا: تكامل تربوي ومؤسساتي يحوّل أندية السلامة الطرقية إلى مشروع مجتمعي

هشام التواتي

تعود قضية السلامة الطرقية اليوم إلى واجهة النقاش العمومي بالمغرب أمام أرقامٍ لا تزال ثقيلة ومقلقة؛ إذ تُسجِّل “حرب الطرق” أكثر من أربعة آلاف قتيل سنوياً، بينهم 231 طفلاً دون سن الرابعة عشرة، أي ما نسبته 11 في المئة من مجموع الضحايا، وهي مؤشرات تعكس، بوضوح، أن الموضوع لم يعد شأناً تقنياً أو مرورياً صرفاً، بل قضية مجتمعية ترتبط بالحق في الحياة وبمستقبل الأجيال الناشئة. في هذا السياق، جاء اللقاء الجهوي لتكوين المكوّنين وتوزيع العدة البيداغوجية الخاصة بأندية التربية على السلامة الطرقية بجهة فاس مكناس، المنعقد بالمركز الجهوي للتكوينات والملتقيات مولاي سليمان بفاس يوم الثلاثاء 6 يناير 2026، ليضع المدرسة في قلب هذا الرهان من زاوية تربوية ومجتمعية أوسع.

في كلمته الافتتاحية، قدّم مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة فاس مكناس، الدكتور فؤاد ارواضي، مقاربة تُعيد الاعتبار لدور المدرسة بوصفها فاعلاً في إنتاج الوعي والسلوك داخل الفضاء العمومي. فقد أكد أن الاستثمار في الطفولة واليافعات واليافعين هو المدخل الأكثر نجاعة لترسيخ ثقافة احترام الطريق، داعياً إلى مضاعفة العمليات التحسيسية داخل المؤسسات التعليمية وفي محيطها، لا سيما بممرات الراجلين ونقاط العبور، والعمل على تغيير السلوكات السلبية المرتبطة بقانون السير. كما توقف عند الدينامية المتنامية لأندية السلامة الطرقية داخل المؤسسات، مُثمّناً ما راكمته من تجربة ميدانية، قبل أن يعلن رفع رهان انخراط مختلف المؤسسات الإعدادية في مشروع الشهادة المدرسية للسلامة الطرقية، ومضاعفة عدد التلاميذ المستفيدين منها باعتبارها مساراً تربوياً يجمع بين المعرفة والسلوك والممارسة.

أما المدير الجهوي للوكالة الوطنية للسلامة الطرقية بجهة فاس مكناس، أحمد أيماز، فقد قارب الموضوع من زاوية راهنية الظاهرة وخطورتها، متحدثاً عن “حرب الطرق” بوصفها نزيفاً إنسانياً مستمراً، ومذكّراً بأن الوكالة، منذ تأسيسها سنة 2020، جعلت من التربية الطرقية والتحسيس الوقائي أحد محاور تدخلها الأساسية. وفي هذا الإطار، شدّد على الأهمية الاستراتيجية لتكوين منشطي أندية السلامة الطرقية داخل المؤسسات التعليمية، لكون التلاميذ يمثلون “نساء ورجال الغد” وسفراء أسرهم داخل الفضاء الطرقي، ما يستوجب تمكينهم من الوعي والسلوك المسؤول عند استعمال الطريق. كما أعلن عن إحداث عشرة أندية جديدة خلال هذا اللقاء، تم دعمها بعدة بيداغوجية ولوجستيكية تشمل دراجات هوائية وخوذات وتلفازات ولوحات رقمية وعلامات تشوير، إضافة إلى حامل رقمي يتضمن موارد لتنشيط الورشات التطبيقية، في محاولة لتحويل التربية الطرقية من خطابٍ توعوي نظري إلى تجربة تعليمية عملية.

وتوقف أيماز عند مشروع “المدرسة الآمنة”، الذي يهدف إلى تجهيز مداخل المؤسسات التعليمية بحواجز واقية تسهّل العبور وتحمي التلاميذ من الاحتكاك المباشر بحركة السير، معلناً برمجة تجهيز خمس عشرة مؤسسة تعليمية خلال شهر يناير الجاري، خاصة تلك المتواجدة بمحاذاة الشوارع الرئيسية. كما أشار إلى الشراكات القائمة مع الجماعات الترابية لتحسين البنية الطرقية والتشوير قرب المدارس، مع مساهمة مالية للوكالة تصل إلى خمسين في المئة من كلفة المشاريع، بما يعكس توجهاً نحو مقاربة تشاركية في تأمين الفضاء المدرسي.

وقد جاءت مداخلة السيدة هدى الزوهري، رئيسة قطاع التربية والوقاية الطرقية بالوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، لتمنح اللقاء بعده البيداغوجي العميق، حيث أبرزت المكانة التربوية لأندية السلامة الطرقية باعتبارها فضاءات لتنشئة الناشئة على مبادئ السلوك الطرقي السليم، مؤكدة أن هذه التربية لا تقتصر على تقنيات العبور واستعمال الطريق، بل تبني وعياً مدنياً قوامه المسؤولية واحترام النفس والآخر. كما عرضت تفاصيل مشروع الشهادة المدرسية للسلامة الطرقية الموجه لتلاميذ السنة الثالثة إعدادي، الذين يلجون منصة رقمية عبر منظومة “مسار” لتلقي مضامين تكوينية قبل اجتياز اختبار مؤلف من خمسين سؤالاً، يحصل الناجحون بعده على شهادة تمثل ثمرة مسار تعلمي يجمع بين المعرفة والممارسة.

ومن خلال مختلف هذه المداخلات، بدا واضحاً أن المدرسة، في جهة فاس مكناس على الأقل، لم تعد تُقارب السلامة الطرقية من زاوية “النشاط الموازي”، بل باعتبارها مدخلاً لبناء ثقافة وقائية طويلة المدى. غير أن الرهان الأكبر يتجاوز حدود المؤسسة التعليمية ليشمل تعددية الفاعلين والمتدخلين؛ فمواجهة حرب الطرق تظل مسؤولية جماعية تتقاطع فيها أدوار المدرسة والإدارة التربوية والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية وجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ، إلى جانب أجهزة الأمن الوطني والدرك الملكي والسلطات المحلية ووسائل الإعلام، بل وحتى الفضاءات الدينية وخطب الجمعة التي تمتلك قدرة قوية على مخاطبة الضمير الجماعي وتكريس البعد القيمي المرتبط بحفظ النفس واحترام القانون. وعندما تتكامل هذه الحلقات، تتحول الوقاية الطرقية من مبادرات ظرفية إلى ثقافة مجتمعية ممتدة.

إن جهة فاس مكناس، التي تضم أكثر من مليون تلميذة وتلميذ، تضع من خلال هذا الورش التربوي لنفسها موقعاً متقدماً داخل النقاش الوطني حول السلامة الطرقية، ليس فقط من حيث المؤشرات الرقمية أو البرامج المعلنة، ولكن من حيث إعادة تعريف دور المدرسة بوصفها فاعلاً اجتماعياً يشتغل على حماية الحياة بقدر ما يشتغل على نقل المعرفة. ومع أن الطريق لا تزال طويلة أمام مواجهة نزيف الحوادث، فإن هذا المسار التربوي يفتح أفقاً جديداً، عنوانه أن معركة السلامة الطرقية لا تُربَح في الشارع فقط، بل تبدأ داخل القسم، وفي وعي الأجيال التي نعلّمها اليوم كيف تعبر الطريق… وكيف تحمي الحياة.