ندوة وطنية بالمدرسة العليا للأساتذة بفاس تناقش موقع الأمازيغية في الوحدة الترابية
هشام التواتي
في لحظة وطنية فارقة، حيث تتقاطع الذاكرة بالتاريخ، واللغة بالأرض، والجامعة بالرهان الوطني، احتضنت المدرسة العليا للأساتذة بفاس، التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، ندوة وطنية حول «الأمازيغية في عمق الوحدة الترابية». لم يكن الحدث مجرد لقاء أكاديمي، بل كان فعلاً معرفيًا ووطنيًا استعاد الأمازيغية بوصفها عمقًا حضاريًا متجذرًا في المجال المغربي، وعنصرًا فاعلًا في ترسيخ وحدة البلاد وتماسكها، في سياق احتفالي خاص تزامن مع السنة الأمازيغية 2976 والذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء.
جاء تنظيم هذه الندوة الوطنية في سياق وطني دقيق ومشحون بالدلالات، حيث اختارت المدرسة العليا للأساتذة بفاس أن تجعل من الاحتفاء بالسنة الأمازيغية 2976 مناسبة للتفكير العميق في موقع الأمازيغية داخل مشروع الوحدة الترابية للمملكة. فالجامعة، وهي فضاء للمعرفة والنقاش الرصين، بدت في هذا الموعد العلمي حاضرة بقوة في صلب القضايا الوطنية الكبرى، مستحضرة التاريخ، ومستنطقة الراهن، ومفتوحة على أفق المستقبل.
في كلمته الافتتاحية، وضع رئيس جامعة سيدي محمد بن عبد الله الندوة في إطارها الرمزي والوطني، مبرزًا أنها تنعقد في “ظرف وطني متميز، الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، ملحمة الوحدة والوفاء”، ومؤكدًا أن الاحتفاء برأس السنة الأمازيغية يكتسي دلالتين متكاملتين: أولاهما ارتباطه بلحظة تاريخية فارقة بعد إقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية بقرار ملكي، وثانيتهما تتويج كفاح المغرب من أجل وحدته الترابية باعتماد القرار الأممي 2797، الذي “يكرس سيادة المملكة على صحرائها”. ولم يتعامل رئيس الجامعة مع الأمازيغية باعتبارها مكونًا ثقافيًا معزولًا، بل شدد على أنها تعبير عن “مغرب غني بتنوعه الثقافي داخل إطار وحدته الوطنية”، وأن هذا التنوع لا يناقض الوحدة، بل يغذيها ويمنحها عمقًا حضاريًا وإنسانيًا.
وفي امتداد هذا التصور، أكد رئيس الجامعة ، الدكتور مصطفى إيجاعلي أن الجامعة ظلت، عبر بنياتها البحثية ومراكزها العلمية، مواكبة للقضية الوطنية، من خلال دراسات وندوات ومشاريع ميدانية توثق لذاكرة الصحراء المغربية، وتبرز الجذور التاريخية للثقافة الأمازيغية في مختلف جهات المملكة، بما فيها الأقاليم الجنوبية. وهي مقاربة تجعل من المعرفة الأكاديمية شريكًا في الدفاع عن الثوابت الوطنية، لا مجرد خطاب نظري منفصل عن رهانات الوطن.
من جهته، اختار مدير المدرسة العليا للأساتذة، الدكتور علي أحيتوف، أن يمنح كلمته الافتتاحية نَفَسًا احتفاليًا وإنسانيًا، وهو يستقبل الحضور بتحية أمازيغية دالة: “ⴰⵣⵓⵍ ⴼⵍⴰⵡⵏ ⵎⴰⵔⵔⴰ – أزول فلاون جميعًا”، قبل أن يؤكد أن الاحتفال بالسنة الأمازيغية ليس طقسًا رمزيًا فحسب، بل “تعبير حضاري راسخ عن ذاكرة جماعية مشتركة، وعن ثقافة أصيلة شكّلت، إلى جانب باقي الروافد، الأساس المتين للهوية الوطنية المغربية”. وأبرز أن الأمازيغية، بامتدادها الجغرافي والتاريخي، تشكل عنصرًا بنيويًا في عمق الوحدة الترابية، وجسرًا يربط الإنسان المغربي بأرضه ومجاله، في وطن موحد ومتصالح مع تعدده.
ولم يفت مدير المدرسة العليا للأساتذة أن يستحضر البعد التربوي للندوة، وهو يخاطب طالبات وطلبة المؤسسة، معتبرًا أن هذا اليوم العلمي يشكل محطة ملهمة لأساتذة الغد، وحافزًا على حمل مشعل الهوية الوطنية الجامعة بثقة ووعي. كما حمل حضور ضيفة الندوة، الناشطة الأمازيغية للا هنو أوماروش، رمزية خاصة، بوصفها نموذجًا للمرأة المغربية الأمازيغية المنتخبة، التي تمثل ساكنتها بزيها ولغتها، وتؤكد بالفعل لا بالشعار أن الهوية ممارسة يومية وانخراط مواطن.
وقد عرفت الندوة حضورًا كمّيًا ونوعيًا لافتًا، ضم عمداء كليات ونوابا للرئيس وكتابا عامين وأساتذة باحثين، وطلبة، وفاعلين أكاديميين وثقافيين وضيوفا وازنين، غير أن الانخراط المتميز لطالبات وطلبة المدرسة العليا للأساتذة منح الحدث روحه الخاصة. فقد تحولت قاعة الندوات إلى لوحة حية للهوية المغربية، حيث ارتدى عدد من الطلبة الزي الأمازيغي التقليدي، وشاركوا في التقديم والتنشيط باللغتين العربية والأمازيغية، في انسجام لغوي وثقافي عكس عمق التكوين ووعي الجيل الصاعد بمعنى التعدد داخل الوحدة. لم يكن ذلك مجرد تفصيل شكلي، بل رسالة رمزية قوية مفادها أن الأمازيغية ليست موضوع نقاش فقط، بل ممارسة حية داخل الفضاء الجامعي.
هكذا، بدت ندوة «الأمازيغية في عمق الوحدة الترابية» أكثر من لقاء علمي؛ كانت لحظة جامعة بين الأكاديمي والوطني، بين الذاكرة والراهن، وبين الجامعة وطلبتها. لحظة أكدت أن الأمازيغية، بما تحمله من تاريخ وقيم ورموز، ليست هامشًا في الهوية المغربية، بل قلبها النابض وعمقها المتجذر في الأرض.
من فاس، المدينة التي تختزن طبقات التاريخ والذاكرة، بعثت هذه الندوة برسالة هادئة وواضحة: لا وحدة بلا اعتراف صادق بتعدد روافدها، ولا هوية وطنية قوية دون ثقافة تتصالح مع جذورها. وبين أسوار الجامعة، بدا أن سؤال الأمازيغية لم يعد سؤال الماضي، بل رهان المستقبل، تُصاغ ملامحه بأقلام الباحثين، وحماس الطلبة، ووعي مؤسسة جامعية اختارت أن تكون في قلب الوطن لا على هامشه.






