فاس-مكناس تجري نحو التميز: حين تتحوّل الرياضة المدرسية إلى مدرسة للحياة
هشام التواتي
ليست الرياضة المدرسية سباق أمتار ولا منصّة تتويج عابرة، بل مسار تربوي طويل تُصاغ فيه القيم قبل الأرقام، وتُبنى فيه الشخصيات قبل النتائج. من هذا المنظور، جاءت مشاركة أكاديمية جهة فاس-مكناس في البطولة الوطنية المدرسية للعدو الريفي بأكادير لتؤكد أن المدرسة المغربية، حين تُحسن الاستثمار في الرياضة، قادرة على صناعة التميز بثبات وهدوء، وعلى تحويل الجهد اليومي داخل المؤسسات التعليمية إلى إنجاز وطني يُشرف الجهة والمملكة المغربية.
في هذا السياق، نظّمت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بتعاون مع الجامعة الملكية المغربية للرياضة المدرسية، وبتنسيق مع الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة سوس-ماسة، البطولة الوطنية المدرسية للعدو الريفي برسم الموسم الدراسي 2025-2026، بمدينة أكادير خلال الفترة الممتدة من 10 إلى 13 دجنبر 2025. تظاهرة وطنية لم تكن مجرد محطة تنافسية، بل فضاءً تربوياً مفتوحاً التقت فيه أكاديميات المملكة حول هدف واحد: جعل الرياضة المدرسية رافعة للتنشئة المتكاملة، ومجالاً لاكتشاف الطاقات وصقلها في أفق الاستمرارية والتراكم.
وقد بصمت جهة فاس-مكناس على مشاركة وازنة، سواء من حيث العدد أو من حيث النوع، إذ شاركت بما مجموعه 104 تلميذاً وتلميذة، في حضور عكس اتساع قاعدة الممارسة الرياضية المدرسية داخل الجهة، ونجاعة سياسة الانتقاء والتأطير المعتمدة. حضور تُرجم ميدانياً إلى حصيلة مشرفة، أكدت مرة أخرى أن الاستثمار في الرياضة المدرسية ليس خياراً ظرفياً، بل رهان استراتيجي تؤتي ثماره على المدى القريب والمتوسط.
على مستوى التتويج الفردي، أحرزت الجهة 17 ميدالية، توزعت بين ست ميداليات ذهبية، وأربع فضيات، وميداليتين نحاسيتين، في إنجاز يعكس توازن الأداء بين مختلف الفئات، ويؤكد أن التميز لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة عمل قاعدي متواصل داخل المؤسسات التعليمية، تشترك فيه الإدارة التربوية، وهيئات التأطير، والأطر التربوية والرياضية، في تناغم قلّ نظيره.
أما على المستوى الجماعي، فقد توج هذا الحضور القوي بإحراز خمس كؤوس، أربع منها عن المراتب الأولى، وكأس واحدة عن المرتبة الثانية، في دلالة واضحة على قوة العمل الجماعي وروح الفريق التي طبعت مشاركة تلاميذ الجهة. وهو معطى يكتسي دلالة تربوية عميقة، لأن الرياضة المدرسية لا تُقاس فقط بعدد الميداليات، بل بقدرتها على غرس قيم التعاون والانضباط والالتزام والمسؤولية داخل الناشئة.
وتبرز هذه النتائج، في عمقها، المكانة التي توليها أكاديمية جهة فاس-مكناس للرياضة المدرسية باعتبارها مكوناً أساسياً من مكونات المشروع التربوي الجهوي، ورافعة لبناء شخصية المتعلم المتوازنة، جسدياً ونفسياً وقيمياً. كما تعكس حرص الأكاديمية على مواكبة مختلف البطولات الوطنية المدرسية، ودعم الجمعيات الرياضية المدرسية، وتشجيع الممارسة المنتظمة، في أفق جعل المدرسة فضاءً منتجاً للتميز، لا فقط في التحصيل الدراسي، بل أيضاً في السلوك والمواطنة والريادة.
إن مشاركة فاس-مكناس في بطولة العدو الريفي بأكادير لم تكن مجرد حضور عددي أو تنافس ظرفي، بل رسالة واضحة مفادها أن الرياضة المدرسية قادرة على توحيد الجهود، وربط الأكاديميات بروح تنافسية إيجابية، وتعزيز الإشعاع التربوي للجهات، متى توفرت الرؤية والدعم والاستمرارية.
وبين مضامير أكادير ومساراتها الريفية، لم يركض تلاميذ فاس-مكناس نحو خط النهاية فقط، بل ركضوا نحو معنى أعمق للمدرسة، مدرسة تصنع الأبطال بهدوء، وتؤمن بأن التتويج الحقيقي هو ذاك الذي يستمر أثره في السلوك قبل السجلات، وفي المستقبل قبل اللحظة. ومن هنا، تبقى الرياضة المدرسية وعداً مفتوحاً بمزيد من الإنجازات، كلما واصلنا الإيمان بها كخيار تربوي، لا كحدث عابر.




