مركز التفتح أم أيمن للتربية والتكوين بفاس: رافعة تربوية وإبداعية ترسخ قيم الجمال والانفتاح في قلب المنظومة التعليمية
هشام التواتي
في زمن بات فيه الرهان على بناء الإنسان أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، تبرز مؤسسات التفتح للتربية والتكوين كفضاءات بديلة ومكمّلة للمدرسة التقليدية، تؤسس لتربية متكاملة تنبني على تنمية الحس الجمالي، وصقل الموهبة، وتعزيز قيم الانفتاح والتواصل، بما يسهم في بناء شخصية متوازنة ومتفتحة قادرة على الاندماج والمساهمة الفاعلة في المجتمع. ضمن هذا الإطار، يبرز مركز التفتح أم أيمن للتربية والتكوين بفاس، التابع لأكاديمية جهة فاس مكناس، كنموذج حي وفاعل لمؤسسة تتجاوز الأطر التربوية الكلاسيكية لتحتضن التلاميذ في فسحة إبداع وتكوين، تُنَمِّي فيهم ما لا تقوى المقررات وحدها على غرسه.
يُعدّ هذا المركز الذي يحتضن تلميذات وتلاميذ تتراوح أعمارهم بين 6 و18 سنة، منصة إشعاع ثقافي وتربوي متميزة، إذ استطاع منذ انطلاق عمله، منذ سنوات، أن يستقطب آلاف المتعلمين من المؤسسات التعليمية العمومية والخصوصية على حد سواء، مقدّما لهم خدمات تربوية وفنية ذات جودة عالية. ووراء هذا النجاح فريق من الأطر الإدارية والتربوية - تترأسهم المديرة القديرة إيمان أكود، والإطارين الخدومين العربي البقالي ونور الدين الحمومي، إلى جانب أعوان الحراسة والنظافة - التي تشتغل في انسجام تام، يطبع عملها الحماس والإيمان العميق برسالة المركز التكوينية والتربوية.
وما يزيد من أهمية هذا المركز اليوم هو انسجامه التام مع خارطة الطريق 2022-2026 التي أطلقتها وزارة التربية الوطنية، والتي تراهن على الارتقاء بجودة التعلمات، وتحقيق مدرسة منفتحة ودامجة، تضع التلميذ في قلب الاهتمام، وتعزز الحياة المدرسية باعتبارها مدخلا أساسيا لبناء المواطنة والإبداع وتكافؤ الفرص.
في قلب المركز، تتعدد الورشات وتتنوع، كل واحدة منها تشكّل عالما صغيرا يفيض بالحياة ويعبّر عن غنى التجربة التربوية المغربية عندما تتسلح بالرؤية والإرادة. فـورشة التشكيل، حيث يستقبلك كل من الأستاذة القديرة فوزية والأستاذ الفنان نبيل، تُعد من الفضاءات الأكثر جاذبية، حيث تُفجّر طاقات التلاميذ الفنية في أعمال خشبية مسطحة ومجسّمة، تتماهى مع أعمارهم وهوياتهم الثقافية، وتفتح لهم نوافذ على تجارب فنية عالمية. وهنا يتعلم المتعلمون تقنيات التعامل مع الأدوات والخامات، وينجزون أعمالا فنية بمهارات متقدمة.
أما ورشة الموسيقى، فهي معمل حقيقي لتكوين الذوق وتربية السمع وصقل الحس الإبداعي، على يدي المبدع، الموسيقار الخلفاوي، حيث يتعلم المشاركون أسس الإيقاع، والعزف، والغناء، ويتعرفون على قواعد الموسيقى في أجواء تفاعلية، تُنَمِّي الثقة بالنفس وروح العمل الجماعي، وتفتح أمامهم آفاق المشاركة في العروض والأنشطة الفنية.
وفي ركن آخر، يجد المسرح مكانته المرموقة كفن جامع لكل الفنون، بقيادة المتألقتين الأستاذة أمينة والأستاذة ربيعة، حيث تُشتغل ورشة المسرح على المستويين النظري والتطبيقي، لتعليم المهارات الأساسية كالإلقاء، والتعبير، والتشخيص، والميم، والارتجال، مع تدريبات على تقسيم الخشبة وضبط النفس والوقوف عليها. كل ذلك بغرض تكوين شخصية قادرة على التواصل الفعّال، والإنصات، وتقبل الآخر، وهي أهداف تربوية بامتياز تندرج ضمن فلسفة التعليم الجديد.
ولأن الإعلام أصبح أداة أساسية للتأثير والتكوين، يشكل مشروع الصوت والصورة، أو ما يُعرف بـ”الصحافة المدرسية”، إحدى الركائز الأساسية لعمل المركز. فهذه الورشة بقيادة الأستاذ هشام التواتي، رئيس تحرير ومدير نشر سابق ، ومتخصص في الإعلام المدرسي والجامعي، لا تقتصر فقط على التقاط الصور أو تسجيل الفيديوهات، بل تهدف إلى تمكين التلميذ من أدوات القراءة الواعية للإعلام، ومن تقنيات إعداد المحتوى السمعي البصري، من كتابة السيناريو والتصوير، إلى المونتاج والتقديم، فتنفتح بذلك المدرسة على عالم الإعلام بشكل تربوي ومهني، يواجه الرداءة والسطحية بمضامين هادفة ومؤثرة، ويعزز التعبير الذاتي والثقة في النفس.
ومن جهة أخرى، فإن ورشة اللغات تُعدّ رافعة حقيقية للانفتاح الثقافي، حيث يتلقى التلاميذ دروسا تأسيسية في اللغتين: الإسبانية على يد الأستاذ القدير العكيوي، والألمانية على يد الأستاذ الفاضل علال، فضلا عن حصص للدعم لفائدة المقبلين على الامتحانات الإشهادية، ناهيك عن تنظيم مسابقات الخطابة والإملاء، مما يسهم في تقوية الرصيد اللغوي للتلاميذ ويؤهلهم لمستقبل دراسي ومهني واعد.
ومع انطلاق الموسم الدراسي الجديد، استقبل المركز مئات الزوار من تلاميذ المؤسسات التعليمية العمومية والخاصة، ضمن فعاليات الأبواب المفتوحة التي انطلقت يوم الأربعاء 24 شتنبر إلى غاية السبت 27 شتنبر 2025، حيث شكّل الحدث مناسبة لاكتشاف الورشات عن قرب، والتفاعل مع المؤطرين، والتعرف على ما يقدمه المركز من برامج وأنشطة طيلة السنة.
إن مركز التفتح أم أيمن للتربية والتكوين بفاس لا يُعدّ مجرد مؤسسة موازية، بل هو امتداد طبيعي لمدرسة مغربية تحاول أن تتجدد، وتستعيد ألقها من خلال الحياة المدرسية الغنية، والإبداع المفتوح، والتعلم النشيط، وفق تصور يعترف بأن التربية لا تكتمل إلا حينما يُفتح الباب للخيال، ويُمنح التلميذ حقه في التعبير، في الحلم، وفي أن يكون.




















