ثانوية مولاي ادريس بفاس: حين تفتح العلوم أبوابها، وتكتشفُ المواهبُ المغربية طريقها

ثانوية مولاي ادريس بفاس: حين تفتح العلوم أبوابها، وتكتشفُ المواهبُ المغربية طريقها

هشام التواتي

احتضنت الثانوية التأهيلية مولاي إدريس بفاس، مساء اليوم الخميس 4 دجنبر الجاري،  ندوة علمية تندرج ضمن الفعاليات الجهوية للعلوم والتقنيات والدورة الرابعة عشرة لأيام الشباب والعلم. جاءت هذه الندوة، التي التأم حولها تلميذات وتلاميذ السنة الثانية بكالوريا بحضور وازن واهتمام لافت، لتؤكد أنّ المدرسة المغربية ما تزال قادرة على أن تكون فضاءً حيّاً يُنصت إلى الأسئلة الكبرى، ويمنح الشباب فرصة لقاء نماذج علمية مُلهِمة تشقُّ طريقها بثبات في مسارات البحث والابتكار.

وقد حظيت المؤسسة في هذا اليوم العلمي باحتضان الأستاذ الدكتور تيجاني بونحميدي، عضو أكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات وأستاذ بالجامعة الأورومتوسطية بفاس، الذي جاء ليقود رحلة معرفية بعنوان يحمل الكثير من الدلالات: «من الكيمياء إلى الصناعة: رحلة المواد الأولية»؛ عنوان يختصر مسار المادة من لحظة تشكّلها في المختبر إلى غاياتها التحويلية في المصانع، ويذكّر التلاميذ بأنّ العلوم ليست دروساً معزولة، بل منظومات مترابطة تُسهم في بناء الاقتصاد وحماية البيئة وصناعة المستقبل.

حضر الندوة مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس مكناس الدكتور فؤاد ارواضي، إلى جانب المدير الإقليمي بفاس، في إشارة واضحة إلى أهمية الحدث وقيمته التربوية. وفي كلمته، عبّر مدير الأكاديمية عن شكره العميق للدكتور بونحميدي على مشاركته الفاعلة في هذا الموعد العلمي، مؤكداً أنّ مثل هذه اللقاءات «تهدف إلى تعزيز اهتمام التلميذات والتلاميذ بالمناهج العلمية والانفتاح على طاقات مغربية وازنة أثبتت حضورها في المختبرات والمؤسسات الدولية». وذكّر بعدد من الأسماء المغربية التي بصمت مسار البحث العلمي عالمياً، قبل أن يختم متمنياً أن «يحذو تلاميذنا حذوهم وأن يشقّوا هم أيضاً طريقهم من خلال مسار متميز في البحث العلمي».

من جهته، أبرز مدير الثانوية التأهيلية مولاي إدريس أنّ «قافلة العلوم والتكنولوجيا حطّت اليوم رحالها بالمؤسسة في إطار أنشطة الحياة المدرسية، وخاصة نادي العلوم والتكنولوجيا»، موضحاً أنّ الهدف هو «تعريف التلاميذ بآفاق الدراسة ما بعد البكالوريا التي من شأنها مساعدتهم على الولوج السلس لسوق الشغل». واعتبر أن الندوة التي أطّرها الدكتور بونحميدي كانت «مميزة، وشهدت تفاعلاً كبيراً من طرف تلميذات وتلاميذ الثانية بكالوريا الذين طرحوا أسئلة عميقة حول آفاق تخصصات المستقبل».

أمّا الدكتور تيجاني بونحميدي، فقد قدّم عرضاً غنياً حول الصناعات التحويلية، مُبحِراً بالحاضرين بين التحولات الكيميائية والفيزيائية والاقتصادية والبيئية التي تُرافق مسار المواد الأولية نحو الصناعة. وقال في تصريحه: «تشرّفت اليوم بإلقاء عرض حول الصناعات التحويلية في ثانوية مولاي إدريس بفاس، تطرّقت من خلاله إلى نوعية هذه التحولات ونوعية العلوم التي تُستعمل فيها: الكيمياء، الفيزياء، الرياضيات، الاقتصاد، وعلوم المياه والطاقة والتغيرات المناخية». وأضاف أنّ الهدف كان «تذكير التلميذات والتلاميذ بالمسالك العلمية الممكنة وبضرورة الاهتمام الجاد بجميع المواد التي يدرسونها للوصول إلى مهن الهندسة في فروعها المتعددة، من الكيمياء إلى الميكانيك والكهرباء وهندسة الذكاء الاصطناعي».

وقد شكّل التفاعل الكبير لتلميذات وتلاميذ السنة الثانية بكالوريا نقطة مضيئة في هذا اللقاء. فقد تابعوا العرض باهتمام لافت، وطرحوا أسئلة دقيقة عكست وعيهم العلمي واستعدادهم للانخراط في مسارات أكاديمية واعدة، بينما ساهمت ثقتهم في ضيف الندوة في خلق نقاش حيّ يفتح نوافذ جديدة على المستقبل.

ولم يغب عن هذا الحدث الدور النوعي الذي قامت به الصحافة المدرسية، التي واكبت النشاط لحظة بلحظة، ملتقطة تفاصيله بعدساتها ودفاترها، وموثّقةً الحوار بين المدرسة والعلوم، وبين التفاعل الشبابي والطموح الأكاديمي. لقد كان حضورها علامة على نضج التجربة الإعلامية داخل المؤسسات التعليمية، ودليلاً على أن التلميذ قادر على أن يكون شاهداً وصانعاً لرواية المدرسة في آن واحد.

هكذا غادرت قافلة العلوم والتكنولوجيا ثانوية مولاي إدريس تاركة خلفها أثراً من الحماس ورغبة متجددة في الاستكشاف. يومٌ علميّ مكثف، لكنه من تلك الأيام التي تظلّ راسخة في الذاكرة، لأنها تفتح أمام الشباب نافذة على ما يمكن أن يكونوا عليه… إذا آمنوا بالعلم، وثابروا، وشقّوا طريقهم بثقة نحو المستقبل.