بعد جرح الكرامة… والي أمن فاس يعيد الاعتبار لثانوية ابن عربي ويؤمن محيط 1700 تلميذ
هشام التواتي
لم يكن حادث ثانوية ابن عربي مجرد واقعة أمنية عابرة داخل مؤسسة تربوية، بل صدمة أعادت طرح سؤال جوهري: كيف يمكن للثانوية أن تؤدي رسالتها في غياب حماية تليق بفضاء يستقبل 1700 مراهق كل يوم؟ لقد كشف الاعتداء الذي تعرض له حارس أمن المؤسسة، وما تلاه من تعامل غير مهني مع الحارس والمدير داخل الدائرة الأمنية المُدَاوِمة هشاشة وضع لا ينبغي أن يوجد أصلاً داخل مؤسسة عمومية. ومن قلب هذا الاحتقان، ارتفع صوت ابن عربي مطالباً بالأمن المدرسي كحق أصيل وليس كامتياز ظرفي. وبعد نشر المقال الأول يوم 03 دجنبر، جاء التفاعل السريع للسيد والي أمن فاس ليعيد الأمور إلى نصابها، فتعود الدوريات الأمنية إلى محيط المؤسسة وتستعيد الثانوية طمأنينتها، في رسالة واضحة مفادها أن حماية الفضاء التربوي مسؤولية مشتركة لا يجوز تأجيلها أو التقليل من شأنها.
لم يكن ما جرى داخل ثانوية ابن عربي بالمرجة بداية الأسبوع حدثاً عادياً في سير المؤسسة، بل نقطة تحوّل كشفت هشاشة الوضع عندما يُترك الفضاء التربوي دون حماية كافية. فالحارس الذي تعرض لتعنيف جسدي ولفظي على يد أحد أولياء الأمور وجد نفسه، وهو الضحية، يُنقل في سيارة النجدة رفقة المعتدي، ويُعامل كما لو كان واحداً من الموقوفين. قضى الحارس لحظات صعبة في الدائرة الأمنية المداومة يومها، من الساعة الخامسة والنصف مساءً إلى التاسعة ليلاً، إلى جانب معتقلين آخرين، دون مراعاة لكونه حارسا مكلفا بالأمن أُصيب أثناء أداء مهامه، ولا لظروفه النفسية بعد الاعتداء عليه. المشهد ذاته استُكمل بشكل أكثر قسوة مع مدير المؤسسة، الذي تم التعامل معه بطريقة غير مهنية وغير مسؤولة، وكأنه لا يمثل مرفقاً عاماً يضم مئات المراهقين وكاد أن يعيش انفلاتاً أمنياً لولا يقظة أطره وتفانيهم: التجاهل والتعامل الفظ كان عنوانا لتعامل المسؤولين بتلك الدائرة.
لقد كان المقال الأول، الصادر يوم الأربعاء 03 دجنبر، بمثابة شهادة قوية على ما عاشته المؤسسة من توتر، وعلى حالة الغياب الأمني التي طبعت بداية الموسم الدراسي الحالي، خلافاً للسنة الماضية حين تجاوب السيد والي الأمن مع نداءات التلاميذ بعد تعرض بعض التلميذات لحالات كريساج في محيط المؤسسة، فكانت الدوريات الأمنية حاضرة بشكل يومي، تمنح شعوراً عاماً بالأمان. لم يفهم أطر المؤسسة كيف غابت هذه الحماية هذا الموسم، في وقت يحتاج فيه محيط الثانوية إلى مراقبة مستمرة، خصوصاً أمام فئة عمرية حساسة ومحيط اجتماعي شديد الحركة.
غير أن التجاوب السريع للسيد والي أمن فاس مع النداء كان لحظة فارقة. فما إن ذاع صيت المقال واطلع السيد الوالي على تفاصيله، حتى تحركت الشرطة المدرسية على الفور، وعادت العناصر الأمنية إلى محيط الثانوية كما كان عليه الحال في الموسم الدراسي السابق. شوهدت الدوريات وهي تقوم بواجبها بحضور يومي في محيط المؤسسة، مانحة الأطر التعليمية والتلاميذ والأسر شعوراً بأن المؤسسة ليست وحدها، وأن النداء لم يكن مجرد بيان احتجاجي، بل استعادة لحقّ أصيل في حماية فضاء تربوي يستقبل 1700 مراهق.
هذا التدخل الأمني أعاد الأمور إلى نصابها، وخلق حالة من الارتياح داخل الثانوية. فقد عبّر الأساتذة والأطر الإدارية عن تقديرهم الكبير لهذه الاستجابة الفورية، التي أعادت الثقة ومنحت المؤسسة فرصة لاستئناف أنشطتها التربوية بعيداً عن هواجس الفوضى. وفي هذا السياق، جدد مدير المؤسسة باسمه ونيابة عن الأطر والتلاميذ شكره للسيد والي الأمن على تفاعله العاجل، مؤكداً أن هذا الحضور الأمني عنصر أساسي في ضمان سلامة التلاميذ وهيئة التدريس والإدارة، وفي استعادة الهيبة الطبيعية للمؤسسة التعليمية.
ولم يفوّت المدير الفرصة دون التعبير عن امتنانه لمدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، الذي واكب الوضع بكثير من الدعم والحرص، مقدّراً تضحيات الطاقم التربوي والإداري في تدبير الزمن المدرسي لأزيد من 1700 تلميذ، إضافة إلى ساعات الدعم الليلي التطوعية لفائدة المقبلين على الامتحانات الإشهادية خلال الموسم الماضي. كما توجه مدير ثانوية ابن عربي بالشكر للمدير الإقليمي على مواكبته ودعمه المستمر.
إن الأطر الإدارية والتربوية بثانوية ابن عربي لم تطلب امتيازاً، بل حماية تليق بمؤسسة تربوية تضم مئات المراهقين. ما حدث يوم الاثنين فاتح دجنبر كان جرس إنذار، لكنه أسهم في إعادة الاعتبار لحق الأمن المدرسي باعتباره أساسياً لضمان سلامة التلاميذ واستقرار الفضاء التربوي. واليوم، وقد عادت الدوريات إلى محيط المؤسسة، تستعيد المدرسة أنفاسها، ويستعيد الأساتذة ثقتهم بأن صوتهم مسموع، وأن حماية المستقبل لا يمكن أن تكون خارج أولويات الأمن العمومي.
لقد كان التجاوب السريع للسيد والي الأمن رسالة واضحة: حين يرفع نساء ورجال التعليم نداءهم دفاعاً عن حرمة المؤسسة، فإن الدولة تصغي وتتحرّك. وهذا وحده يعيد الاعتبار لكرامة المدرّس، ويعيد إلى المؤسسة التعليمية هيبتها، ويمنح الأسر شعوراً متجدداً بأن أبناءهم في مأمن داخل فضاء تربوي يستحق الرعاية.