بأطروحةٍ علمية وازنة، فوزية الدمراوي تُعيد الاعتبار لدور الجمعيات في إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة بإقليم بولمان
هشام التواتي
في لحظةٍ إنسانية وعلميةٍ مفعمة بالاعتراف بجهد الباحثين وبقيمة المعرفة حين تُلامس نبض المجتمع، وقفت الطالبة الباحثة فوزية الدمراوي أمام لجنة علمية وازنة لتعرض ثمار سنواتٍ من الاشتغال الميداني والفكري حول موضوع حساس وعميق، يمس واحدة من أكثر الفئات هشاشة في المغرب: الأشخاص في وضعية إعاقة. لم تكن أطروحتها مجرد بحثٍ أكاديمي تقني، بل كانت محاولة لفهم مسارات الإدماج الاجتماعي لهذه الفئة، ورصد حضور الجمعيات كفاعل مدني يسعى، رغم محدودية الإمكانيات، إلى تغيير واقعٍ معقد تتداخل فيه العوامل الاجتماعية والمؤسساتية والاقتصادية.
منذ اللحظة الأولى لعرض أطروحتها الموسومة بـ: «سوسيوأنثروبولوجيا الاقتصاد الاجتماعي التضامني: الجمعيات الفاعلة في مجال الإعاقة ودورها في تحقيق الاندماج الاجتماعي للأشخاص في وضعية إعاقة، حالة إقليم بولمان»، بدا واضحاً أن الباحثة اختارت أن تُنصت للميدان قبل النظريات، وأن تُعطي للأصوات الصامتة مكانها داخل المتن العلمي، وهي أصوات الأمهات، والأسر، والفاعلين الجمعويين، والمختصين الذين يشتغلون بعيداً عن الأضواء.
لقد انطلقت أطروحة فوزية الدمراوي من إشكال جوهري مفاده: كيف تُساهم الجمعيات الفاعلة في مجال الإعاقة بإقليم بولمان في تحقيق الاندماج الاجتماعي للأشخاص في وضعية إعاقة؟ سؤال بدا بسيطاً في صيغته، لكنه شديد العمق في امتداداته، لأنه لا يقف عند حدود توصيف الدور الجمعوي، بل يتجاوزه إلى مساءلة نجاعة الفعل المدني، وحدود أثره، والعوامل المؤثرة في نجاحه أو تعثره.
ومن أجل مقاربة هذا السؤال، صاغت الباحثة أربع فرضيات رئيسية تتعلق بمدى تأثير الدعم العمومي، والتخصص في نوع الإعاقة، والاستعانة بأطر متخصصة، وتكوين الأسر المستفيدة على مسارات الاندماج الاجتماعي، معتبرة أن الاندماج لا يتحقق إلا عبر ثلاثة أبعاد أساسية: البعد الأكاديمي التعليمي، والبعد الوظيفي المرتبط بالاستقلالية، والبعد التفاعلي الاجتماعي.
وقد تميزت المقاربة المنهجية في هذا العمل بتكاملٍ لافت بين البعد الكمي والكيفي؛ حيث اعتمدت الباحثة على استبيانات، ومجموعات بؤرية، ومقابلات معمقة مع عينة متوازنة شملت الجمعيات، والأطر الطبية وشبه الطبية، والأمهات، والمسؤولين المؤسساتيين، مع إخضاع المعطيات لمعالجة إحصائية دقيقة بواسطة برنامج SPSS، إلى جانب تحليل سردي أعاد الاعتبار للتجارب الإنسانية التي لا تُختزل في الأرقام وحدها. وقد جعل هذا الاختيار المنهجي من الأطروحة عملاً قائماً على الفهم العميق للواقع، لا على مجرد القياس الإحصائي.
أما على مستوى النتائج، فقد كشفت الأطروحة عن تفاوتٍ في قوة تأثير المتغيرات المدروسة؛ حيث أثبتت المعطيات الميدانية أن الدعم العمومي، خاصة من طرف قطاعي التضامن والتعاون الوطني، يشكل رافعة أساسية لتمكين الجمعيات من تقديم خدمات فعالة، لاسيما في الوسط القروي. كما أبرزت النتائج الدور الحاسم للاستعانة بأطر متخصصة ذات خبرة، لما لذلك من أثر مباشر على تحسين مستوى التعلم والاستقلالية والتفاعل الاجتماعي لدى المستفيدين.
في المقابل، بيّنت الباحثة أن تأثير تكوين الأسر يظل محدوداً وغير منتظم، في ظل ضعف مشاركة الآباء وعدم تكييف البرامج مع خصوصيات كل أسرة، فيما لم تُثبت فرضية التخصص في نوع واحد من الإعاقة أثراً حاسماً، بالنظر إلى إكراهات الواقع المحلي وندرة الموارد.
ولم تقف الأطروحة عند حدود إثبات الفرضيات أو نفيها، بل سعت إلى قراءة النتائج في ضوء السياق الاجتماعي والاقتصادي لإقليم بولمان، لتخلص إلى أن مساهمة الجمعيات في تحقيق الاندماج الاجتماعي تبقى مساهمة نسبية ومشروطة بمدى توفر الدعم المؤسساتي والموارد البشرية المؤهلة، وبقدرتها على فهم السياق الأسري والشخصي للمستفيدين. وهي خلاصة منحت البحث بعداً نقدياً ورؤيةً تركيبية تنفتح على إمكانات تطوير الفعل الجمعوي عوض الاكتفاء بوصفه.
وخلال جلسة المناقشة، التي تميزت بحضور أكاديمي راقٍ ونقاش علمي عميق، عبّر أعضاء اللجنة العلمية عن تقديرهم الكبير لجهود الباحثة، مثمنين غنى المادة الميدانية، ودقة المنهج، وجرأة المقاربة التي جمعت بين السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا ومفاهيم الاقتصاد الاجتماعي التضامني. وقد اعتبر الأساتذة أن هذا العمل يسهم في إغناء البحث السوسيولوجي حول الإعاقة والعمل الجمعوي بالمغرب، ويمنح صناع القرار مؤشرات عملية لفهم حدود وآفاق إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة داخل النسيج الاجتماعي.
وبعد مداولة اللجنة، قررت بالإجماع منح الطالبة الباحثة فوزية الدمراوي شهادة الدكتوراه بميزة «مشرف جداً»، مقرونة بتنويه خاص من أعضاء اللجنة تقديراً لقيمة أطروحتها، ولما حملته من حس علمي وإنساني، ولقدرتها على الربط بين المعرفة الأكاديمية وأسئلة الواقع.
بهذا التتويج، لا تُغلق فوزية الدمراوي ملف البحث، بل تفتحه على آفاقٍ جديدة من الأسئلة والتساؤلات حول نجاعة الفعل المدني وحدود البرامج الموجهة للفئات الهشة، في سياق وطني يسعى إلى تعزيز العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية. لقد جاءت أطروحتها لتقول إن الإدماج الاجتماعي ليس شعاراً مؤسساتياً بقدر ما هو مسارٌ إنساني مركب، يحتاج إلى معرفة علمية دقيقة، وإلى فاعلين مدنيين مؤهلين، وإلى دولة تُؤمن بأن قوة المجتمع تُقاس بقدرتها على احتضان أفراده جميعاً، دون استثناء.






