فاس مكناس تستقبل واليها الجديد… آيت الطالب بين الثقة المولوية وانتظارات مرحلة مفصلية
هشام التواتي
في صباحٍ يحمل رمزية الدولة وهيبتها، شهد مقر ولاية جهة فاس مكناس اليوم الجمعة 7 نونبر 2025 مراسيم تنصيب الوالي الجديد على الجهة وعامل عمالة فاس، السيد خالد آيت الطالب، تحت إشراف وزير الداخلية، في لحظة تكتسي أبعاداً سياسية وتنموية تعكس دينامية المرحلة التي تعيشها المملكة. فقد جاء هذا التعيين، المصحوب برسالة ملكية سامية إلى سكان الجهة، ضمن موجة من التعيينات الجديدة التي أراد لها جلالة الملك محمد السادس نصره الله أن تمنح نفساً أقوى لمسار المغرب الصاعد كما حدده في خطابي العرش وافتتاح البرلمان.
الظهير الشريف الذي حمل تعيين السيد خالد آيت الطالب جاء محمّلاً بروح التكليف الملكي الواضح: “أن يسعى السعي الذي لا يفتر ولا ينقطع” لخدمة الجهة وسكانها، واستحضار مصالحهم اليومية، والحرص على ما يضمن لهم “نعماً سابغة وسعادة شاملة في الحال والمآل”. خطاب ملكي يؤكد مركزية المسؤولية الترابية، ويفتح أمام الوالي الجديد أفقاً واسعاً للعمل، بما يتجاوز التدبير الإداري التقليدي إلى فعل تنموي ميداني، قادر على تحويل توجهات الدولة إلى نتائج ملموسة.
ويأتي اختيار خالد آيت الطالب ليس فقط في سياق الحاجة إلى تعزيز النجاعة الترابية، بل أيضاً تقديراً لمسار مهني طويل مكنه من راكم تجربة مهمة في التسيير، سواء على مستوى المؤسسة الصحية الجامعية أو داخل الجهاز الحكومي. فمنذ تعيينه مديراً للمركز الاستشفائي الجامعي بفاس سنة 2009، مروراً برئاسته لتحالف المراكز الاستشفائية الجامعية سنة 2016، وصولاً إلى تقلده حقيبة الصحة ثم الصحة والحماية الاجتماعية بين 2019 و2024، ظل الرجل يحظى بالثقة المولوية السامية التي تُجدد اليوم للمرة الثانية بتعيينه والياً على جهة ذات حساسية اقتصادية واجتماعية وثقافية كبيرة. هي إذن مسيرة يختلط فيها التسيير بالممارسة الميدانية، ويتجلى فيها التدرج في المسؤولية بما جعله من بين الكفاءات التي يعول عليها في تنزيل الأوراش الجديدة للجهوية المتقدمة.
وفي كلمته خلال حفل التنصيب، وضع وزير الداخلية الإطار العام للمرحلة المقبلة، مذكّراً بالتوجيهات الملكية التي تشكل بوصلة العمل الترابي: تعميم ثمار النمو بعدالة مجالية واجتماعية أكبر، تغيير طرق العمل عبر ترسيخ ثقافة النتائج واستعمال التكنولوجيا الرقمية، وتسريع وتيرة تنفيذ البرامج التنموية الجديدة. كما شدد على دور الولاة كفاعلين محوريين في تحفيز الاستثمار، وضرورة الانتقال من منطق الإجراءات الإدارية إلى منطق خلق القيمة وإزالة العوائق وتسويق الإمكانات الترابية، حتى لا يظل الاستثمار العمومي وحده حاملاً لعبء التنمية.
وخلال عرضه، لم يغفل الوزير الإشارة إلى التحديات الأمنية التي تعرفها الجهة، وما تستوجبه من يقظة ومنهجية استباقية، خاصة في ظل تطور أنماط الجريمة واستعمال بعض الفضاءات الرياضية لإثارة الشغب. فالأمن – كما أكد – ليس مجرد وظيفة تقنية، بل شرط أساسي للاستقرار وجاذبية الاستثمار وثقة المجتمع في مؤسساته.
كما أبرز الوزير حجم الأوراش المفتوحة بالجهة، من بينها مشاريع كبرى في الصحة تشمل بناء تسعة مستشفيات جديدة بطاقة 870 سريراً بكلفة تناهز ثلاثة مليارات درهم، وتأهيل 619 مركزاً صحياً للقرب. وفي التعليم، تم إحداث 35 مؤسسة جديدة و6 داخليات في مناطق قروية وجبلية، في إطار سياسة تستهدف محاربة الهدر المدرسي وتعزيز تكافؤ الفرص. مشاريع تعكس حجم الرهانات المطروحة أمام الوالي الجديد، الذي سيكون مطالباً بتسريع وتيرة الإنجاز، وتقوية آليات التنسيق المجالي، وتثمين خصوصيات كل إقليم داخل الجهة.
ولا تخفى على أحد الانتظارات الكبيرة المعلقة على جهة فاس مكناس، بموقعها التاريخي ومؤهلاتها الاقتصادية وثقلها الثقافي. فالتحديات متعددة: من جذب للاستثمار، إلى محاربة الفوارق المجالية، إلى خلق فرص للشباب، الذين اعتبرهم جلالة الملك في خطابه الأخير “الثروة الحقيقية” وعماد النموذج التنموي الجديد. وهنا يبرز دور الوالي كفاعل ترابي مطالب بإعادة بناء الثقة، وترسيخ مقاربة القرب، والإنصات، والعمل جنباً إلى جنب مع مختلف الفاعلين لخلق دينامية تنموية تلائم التوجيهات الملكية وتستجيب لتطلعات الساكنة.
إن تعيين خالد آيت الطالب على رأس الجهة ليس فقط استمرارية لمسار ثقة ملكية، بل هو أيضاً إعلان عن مرحلة جديدة في تدبير الشأن الترابي بفاس ومكناس. مرحلة ستتطلب الكثير من الحكمة والجرأة والعمل الميداني الهادئ والفعال. وفي انتظار ما ستحمله الأيام المقبلة من خطوات عملية، يبقى الأمل معقوداً على أن يكون هذا التعيين نقطة تحول في مسار الجهة، وأن يواكب طموحاتها التنموية المتصاعدة، بما يضعها في المكانة التي تستحقها ضمن مغرب ينبض بالحيوية والتجدد.