أطر الثانوية التأهيلية ابن عربي لوالي أمن فاس: نريد حمايةً تليق بمؤسسة تضم 1700 مراهق
هشام التواتي
يحدث أحياناً أن تتحوّل المؤسسات التعليمية، هذا الفضاء الذي يُفترض أن يكون الأكثر أمناً واستقراراً في حياة أبنائنا وبناتنا، إلى مسرح لاختبار صلابة من يقفون يومياً في الصفوف الأمامية: نساء ورجال التعليم. هؤلاء الذين لا يكتفون بتلقين الدروس، بل يحمُون القيم، ويراقبون السُّلوك، ويُمسكون بخيوط مُراهقَةٍ قَلِقَةٍ في أقسام مكتظّة تتجاوز أحياناً الأربعين تلميذاً. هم الجنود المجهولون الذين يتوجّهون صباحا ومساءً إلى أقسامهم وقد شحنوا بطّارياتهم بالصبر والاستعداد للإنصات، مهما قست الظروف وضاق الفضاء.
كلُنا نعلم بأن في المؤسسات التعليمية، تتجاوز أدوار الأستاذات والأساتذة حدود السبورة والكتاب وضبط الإيقاع داخل جل مرافق المؤسسة. إنهم مربّون قبل أن يكونوا مدرّسين. يصنعون الأمان داخل فصول تضُجّ بالحياة، يتابعون رفقة إدارة المؤسسة مواظبة التلاميذ، ويضبطون الإيقاع وسط ضغط نفسي واجتماعي كبير، ويواجهون، وحدهم في كثير من الأحيان، تحديات الانفلات والسلوكيات المُشينة، خصوصاً في الثانويات التأهيلية التي تستقبل فئة عمرية حساسة تبحث عن ذاتها بين حدود السلطة ورغبة التحرر. ورغم ذلك، يقفون ثابتين، يحاولون أن يمنحوا كل مراهق فرصة للإنصات أو فرصة ثانية للحضور.
لكن حادث ثانوية ابن عربي التأهيلية بالمرجة بفاس، عشية يوم الإثنين فاتح دجنبر الجاري، أعاد طرح السؤال القديم الجديد: من يحمي الحُماة؟ المؤسسة التي تضم 1700 تلميذ وتلميذة عاشت لحظات من التوتر غير المسبوق بعدما أقدم أحد الآباء على تعنيف حارسها لفظياً وجسدياً، ووجّه سيلاً من السب والشتم لإدارتها، قبل أن يعرقل السير العادي لمرفق تربوي يستقبل مئات المراهقين الذين ما إن سمعوا الضوضاء حتى حاول بعضهم الاندفاع نحو مصدر الجلبة. ولولا التدخل الحازم لأساتذتهم داخل الأقسام، وضبطهم المحكم للوضع، بتنسيق مع رئيسها، لخرج الوضع عن السيطرة.
في تلك اللحظات العصيبة، كان التدخل اليقظ للمدير الإقليمي للتعليم بفاس بمثابة صمّام أمان. تابع الوضع هاتفياً لحظة بلحظة، وواكب الإدارة، مؤكداً أن المؤسّسة التعليمية ليست وحدها في مواجهة العنف الذي يتربص بها من حين لآخر. غير أنّ هذا التنسيق الإيجابي قابلَه، للأسف، تعامل غير مسؤول من الدائرة الأمنية المُداومة، التي لم تُقدّر جسامة الواقعة ولا طبيعة المرفق الذي تم انتهاك حرمته، رغم أن الأمر يتعلق بحماية موظفين عموميين تعرض أحدهما للاعتداء أثناء أدائه لمهامه.
وما زاد من مرارة المشهد غياب الشرطة المدرسية هذا الموسم عن تأمين محيط ثانوية ابن عربي، في تناقض صارخ مع السنة الماضية، حين استجاب السيد والي أمن ولاية فاس مشكوراً لنداءات مجموعة من التلميذات اللواتي تعرضن للكريساج في محيط الثانوية، خلال أكتوبر السابق، ومنذ ذلك الوقت كانت الدوريات الأمنية لا تفارق المؤسسة، تحمي محيطها وتعيد الاطمئنان لأسر التلاميذ وهيئتها التربوية. فما الذي تغيّر اليوم؟ وكيف يغيب هذا السند الأمني في وقت يعرف فيه الجميع حساسية المرحلة العمرية التي يعيشها رواد هذه الثانوية؟
المفارقة المؤلمة تجلّت أكثر حين توجه مدير المؤسسة والحارس المُعنَّف لتسجيل شكايتهما مساء الحادث. بدلاً من التعامل معهما باعتبارهما كانا يحمِلان مسؤولية حماية 1700 تلميذ وتلميذة، جرى تهميشهما وتركهما في الانتظار من الخامسة والنصف مساءً إلى التاسعة ليلاً، وكأنهما مجرّد رقم في طابور طويل، بلا مراعاة لطبيعة مهامهما ولا للظرف الطارئ الذي واجهاه داخل مرفق عمومي يعرف حساسية كل دقيقة من زمنه. مشهد يطرح أسئلة موجعة حول موقع المؤسسات التعليمية في سلّم الأولويات.
ولأن الكرامة لا تُساوَم، ولأن المؤسسة التعليمية ليست ساحة مباحة لكل عنف عابر، نظم الطاقم الإداري والتربوي بالمؤسسة وقفة احتجاجية إنذارية صباح اليوم الأربعاء 3 دجنبر، من الساعة الحادية عشرة والنصف إلى الثانية عشرة إلا ربع، ومثلها مساء من الساعة الرابعة والنصف إلى الخامسة إلا ربع، تضامناً مع الحارس واحتجاجاً على انتهاك حرمة الثانوية وعرقلة سيرها. وفي خضمّ هذا الاحتقان، سَجّل بيانٌ تضامني صادر عن مكتب فرع نقابة الجامعة الوطنية للتعليم بزواغة انحيازه الكامل لضحايا الاعتداء، مؤكداً رفضه المسّ بحرمة المؤسسات التعليمية وداعياً إلى توفير حماية حقيقية لأطرها الإدارية والتربوية.
إن ما وقع في ثانوية ابن عربي بالمرجة ليس حادثاً معزولاً، بل جرس إنذار. فحين يصل العنف إلى أسوار المدرسة، وحين يُهان من يسهرون على سلامة الأبناء، تصبح الحاجة ملحّة لإعادة الاعتبار لمكانة المدرس، ولتعزيز الأمن المدرسي، وللاعتراف بأن حماية 1700 مراهق ليست مهمة يمكن تركها للصدفة. إنها مسؤولية مجتمع بأكمله، يبدأ واجبه حيث يقف المدرس، لا بعد أن يسقط. ومن قلب هذا الوجع، ترفع الأطر التعليمية والإدارية نداءها الصريح إلى السيد والي أمن فاس: أن تعود الدوريات الأمنية إلى محيط الثانوية، وأن يستعاد ذاك الشعور بالأمان الذي عاشته المؤسسة الموسم الماضي، وأن يُنظر إلى صرخات العاملين داخلها باعتبارها نداءً لحماية مستقبل لا يزال يمشي على قدمين صغيرتين. فالأمن المدرسي ليس امتيازاً، بل حقّ، وغيابه يُربك مؤسسة بأكملها ويضع مراهقين في مواجهة فوضى لا يد لهم فيها. إنهم لا يطلبون أكثر من حماية تليق بمؤسسة تضم 1700 تلميذ وتلميذة… حماية تعيد للثانوية هيبتها، وللمدرّس كرامته، وللأسر طمأنينتها.
