صرخة شغيلة التعليم الأولي: الإدماج أو استمرار المعركة
هشام التواتي
جاءت الندوة الصحفية الوطنية للتنسيق النقابي والتنسيقيات الإقليمية لأساتذة التعليم الأولي، المنظمة بالرباط يوم الأحد 7 دجنبر 2025، لتضع الرأي العام أمام حقيقة مأساوية يتجنب الكثيرون الاعتراف بها: وجود فئة من الفاعلين التربويين تشتغل في فضاءات عمومية تحت وصاية الوزارة، دون حماية قانونية أو اجتماعية، ودون اعتراف مهني من الدولة التي تستفيد من عملهم دون أن تتحمل مسؤوليتها الوظيفية تجاههم. فاللقاء الذي جمع النقابات الثلاث (CDT – FNE – UMT) مع التنسيقيات الإقليمية، كان مناسبة لتشريح واقع لا يليق ببلد يرفع شعار الإصلاح التربوي والارتقاء بالطفولة المبكرة.
المداخلات أكدت أن الوضع العام يزداد سوءا عاما بعد عام، حيث يشتغل أساتذة وأستاذات التعليم الأولي بأجور رمزية تحددها في كثير من الأحيان مساهمات الآباء، في غياب تام لأي التزام من الوزارة أو الجمعيات المفوض لها تدبير القطاع. وهو نظام مقلوب يقف على رأس اللامنطق: المدرسة عمومية، الفضاءات عمومية، البرامج تحت إشراف الوزارة، أما الأجور فتعتمد على موارد محلية هشة، لا تخضع لأي تعاقد قانوني أو نظام أساسي. تصبح المعاناة اليومية لهؤلاء العاملين جزءا من منظومة أكبر توزع فيها المسؤوليات بينما تضيع الحقوق بين الاتهامات المتبادلة.
واقع الهشاشة يترجم نفسه في غياب الاستقرار المهني، وانعدام عقود واضحة، وتشتت المساطر بين جمعية وأخرى، بل وبين إقليم وآخر. وهو ما يجعل شغيلة التعليم الأولي في وضع شبيه بـ”العمل اليومي”، بلا ضمانات، بلا مساطر، وبلا حماية اجتماعية. تكشف الشهادات المعروضة في الندوة أن الأمر لم يعد مجرد نقص حقوق مهنية، بل استغلال ممنهج يجعل من هذه الفئة مادة خام لاستمرار نموذج تدبيري لا علاقة له بالرؤية الاستراتيجية للتعليم، ويحول الجمعيات إلى وسطاء بين الدولة والشغيلة دون أي تأطير أو مراقبة.
ما زاد الوضع تعقيدا هو خطاب الإصلاح الرسمي الذي يتحدث عن تعميم التعليم الأولي والارتقاء به، في حين يظل الفاعل الأساسي، وهو الأستاذ، خارج أي تصور حقيقي للدمج، التدريب، أو التوظيف المباشر. فالوزارة اختارت، وفق التحليل النقابي، نهج سياسة التفويت بدل تحمل مسؤوليتها الوظيفية، الأمر الذي سمح ببروز جمعيات تستفيد من الصفقات والشراكات دون كفاءة تربوية حقيقية، ودون قدرة على ضمان الحقوق المهنية للشغيلة. هذا النموذج التدبيري لم ينتج إصلاحاً، بل شكل حالة خطيرة من الوساطة الريعية التي تستهلك الأموال العمومية دون أثر ملموس في جودة التعليم أو في حماية العاملين داخله.
وقد أكدت الندوة أن هذا الوضع يمثل شكلا واضحا من التمييز المهني. ففي المنظومة نفسها، وتحت السقف نفسه، يشتغل أساتذة التعليم الأولي كـ”أساتذة درجة ثانية”، بلا تأمين، بلا استقرار وظيفي، بلا حماية اجتماعية، وبلا تكوين ممنهج. يتم التعامل معهم وكأنهم خارج الهوية المهنية التربوية، في حين يشكلون الركيزة الأساسية للمرحلة العمرية التأسيسية للمتعلم، وهي مرحلة تحتاج إلى أعلى درجات التكوين والاستقرار، لا إلى ظروف عمل قائمة على الصدفة والارتجال.
الرسالة السياسية كانت صارخة: الدولة هي المسؤولة الأولى عن هذا الوضع لأنها اختارت نظام التفويت بدل الإدماج. والوزارة مسؤولة سياسيا وقانونيا وأخلاقيا لأنها قبلت التعاقد مع جمعيات دون ضمانات، وتركت الشغيلة تواجه مصيرها، داخل فضاءات تابعة لها، دون حماية. لذلك تم التشديد على أن أي إصلاح حقيقي للتعليم الأولي يبدأ بإدماج شغيلته في النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية، وتوفير أجور تحفظ الكرامة، وتكوين حقيقي، ووضع إطار مهني واضح.
الندوة لم تكن فقط مساحة لاستعراض الاختلالات، بل كانت لحظة لبناء وعي جماعي وتنظيمي. فقد دعا المتدخلون إلى توحيد الصفوف، وتغليب المصلحة العامة، والاستعداد لخطوات نضالية تصعيدية، أبرزها الوقفة الوطنية ليوم الإثنين 8 دجنبر 2025 أمام وزارة التربية الوطنية. هذه الخطوات تعكس قناعة راسخة بأن زمن التشتت انتهى، وأن المعركة المقبلة ستكون أكثر وضوحا من السابق: الإدماج أولاً، أو استمرار التعبئة حتى إسقاط النموذج الريعي المفوض.
تحدث المشاركون بنبرة قوية عن ضرورة فتح حوار وطني جاد، يعترف بالحق الكامل لشغيلة التعليم الأولي في الوظيفة العمومية، ويرفع عنهم الحيف المركب الذي عاشوه لسنوات. فالإدماج ليس ترفا نقابيا، بل ضرورة تربوية ووظيفية لصون جودة التعليم الأولي وضمان الاستقرار المهني. أمام هذه الحقائق، لا يمكن الاستمرار في التعامل مع التعليم الأولي باعتباره قطاعا ثانويا أو ملحقا تجريبيا، بل جزءاً أساسياً من منظومة التربية الوطنية، له فاعلوه، حقوقه، وهويته المهنية.
إن الندوة كانت مناسبة لتأكيد أن الكرامة لا يمكن تفويضها، وأن التعليم الأولي ليس مجرد مرحلة تمهيدية بسيطة، بل حجر أساس في كل إصلاح تربوي، وأن المعركة لن تتوقف عند حدود المطالبة، بل ستتواصل حتى تحقيق الإدماج الكامل والحماية الاجتماعية والاعتراف المهني. فشغيلة التعليم الأولي لم تعد تطلب وعوداً مؤجلة، بل حقوقاً مستحقة، واعترافاً رسمياً، وإصلاحاً ينطلق من القاعدة وليس من الورق.