صرخة على أبواب الرئاسة… طلبة أوطم بفاس بين وعود معلّقة وواقع ينتهك كرامتهم

صرخة على أبواب الرئاسة… طلبة أوطم بفاس بين وعود معلّقة وواقع ينتهك كرامتهم

هشام التواتي

منذ سنوات، وطلبة جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس يحملون هذا الوطن على أكتافهم أكثر مما يحتمله العمر الجامعي نفسه. يتنقلون كل صباح في حافلات مكتظة لا تُراعي هشاشتهم المادية ولا الزمن الدراسي الذي يضيق من حولهم، ويعيشون بمنحة لا تقوى على مجاراة غلاء أسبوع واحد، فيما يسكن كثير منهم بعيداً عن مدرجاتهم لأن الحي الجامعي ما يزال وعداً مؤجلاً، والمطعم الجامعي لايحترم كرامتهم. ومع ذلك، ظل الطلبة أوفياء للحوار، ومتمسكين بمسؤوليتهم الأخلاقية تجاه جامعتهم، فاختاروا في الموسم الماضي تعليق مقاطعة الامتحانات الخريفية على أساس اتفاق 13 يناير، واضعين ثقتهم في وعود رسمية لم يجنوا منها، بعد سنة كاملة، سوى مزيد من الانتظار ومزيد من الصبر. فإلى متى؟

اليوم، الخميس 11 دجنبر 2025، خرج المئات من طالبات وطلبة مركبي ظهر المهراز وسايس في مسيرة امتدت نحو رئاسة الجامعة. كان المشهد أكبر من احتجاج؛ كان مرآةً مكشوفة لكرامة مُرْهَقَة تبحث عن مُتَنفَّس أخير. ارتفعت الشعارات بحدة تليق بحجم الخيبة:
“الخطوط المباشرة بغيناها تجي دبا… لا شركة لا خوصصة لا استثمار في الطلبة”- “قولوا لرئاسة الجامعة مطالب طلابية… لا طرد لا بوليس لا حلول تصفوية” - “حقنا في السكن والتغذية… حقنا في التعليم والحرية”

لم تكن هذه الصرخات مجرد هتافات عابرة، بل خلاصة سنة طويلة من الترقب. سنة تابع فيها الطلبة أوراشاً تتقدم ببطء، وأخرى تتعثر بلا تفسير، فيما المطالب الجوهرية ظلت رهينة آجال مبهمة: حي جامعي لم يكتمل، مطعم غائب، اشتراك نقل يرهق ما تبقى من القدرة الشرائية، وخطوط مباشرة لا تزال حبيسة الوعود.

أمام رئاسة الجامعة، ذكّر أحد مناضلي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بأن تعليق المقاطعة لم يكن ضعفاً ولا تراجعاً، بل مبادرة ثقة ونية صافية. لم يخرج الطلبة بحثاً عن صدام، بل سعياً إلى حدٍّ أدنى من العدالة. غير أن الاستجابة المقابلة جاءت مجزأة، مترددة، يسكنها التأخر أكثر مما يسكنها الالتزام، حتى بدا أن الثقة التي بُنيت بشق الأنفس تتآكل تدريجياً. لذلك أعلن الطلبة اليوم رفع تعليق المقاطعة، مانحين المسؤولين مهلة لا تتجاوز نهاية الشهر لتنزيل مطلبَي الخطوط المباشرة وتخفيض ثمن الاشتراك.

وبين هذا وذاك، لا يمكن تجاهل الأصوات التي دأبت على تشويه صورة الحركة الطلابية، محاوِلةً إلصاق تهم جاهزة لا تليق إلا بمخيّلة من يرفض رؤية الواقع كما هو. تُرسم للطلبة صور لا تشبههم: جماعات عنيفة، فوضوية، مدجَّجة بما لا يوجد أصلاً داخل الحرم الجامعي. والحقيقة التي يعرفها كل من عاش في فضاء الجامعة أن الطلبة لا يملكون سوى أصواتهم، ولا يرفعون سوى مطالب في صميم المنطق: سكن يحفظ إنسانيتهم، نقل يُقرّبهم من مدرجاتهم، منحة تسندهم ولو قليلاً في معركتهم ضد الفقر، وتطبيب يليق بمواطن يحمل بطاقة طالب لا بطاقة انتظار.

ومع ذلك، يستمر البعض في الاصطياد في المياه العكرة، كأن الدفاع عن الكرامة بات جريمة مكتملة الأركان. غير أن ما يحدث اليوم أمام أبواب رئاسة الجامعة يكشف حقيقة واحدة: الطلبة وصلوا إلى حدٍّ لا يُحتمل من الوعود المؤجلة. ما عُلّق بالأمس فُعِّل اليوم، والتصعيد بات قاب قوسين أو أدنى.

ويبقى السؤال معلّقاً، لا في سماء فاس وحدها، بل في ضمير هذا الوطن كله: هل يتدخل والي الجهة لحلحلة هذه الملفات المتراكمة: الحي الجامعي، النقل، المطعم، الخطوط المباشرة، تخفيض ثمن الاشتراك، والدفع بحلول ترتقي إلى مستوى الأزمة؟ وهل تسمع الجهات الرسمية هذا النداء الصريح قبل أن تتعقد الأمور أكثر؟

ففي لحظة كهذه، لا يطلب الطلبة سوى ما يليق بهم: حقهم في أن يدرسوا بكرامة، وأن لا يتحول الطريق إلى الجامعة إلى اختبار يومي للبقاء، ولا اليوم الدراسي إلى تمرين قاسٍ على الصبر بدل المعرفة.