حين تتحوّل الجامعة إلى مرآة لتحوّلات المجتمع: تقديم كتاب “دراسات نسائية” في صرح متحف العلوم

حين تتحوّل الجامعة إلى مرآة لتحوّلات المجتمع: تقديم كتاب “دراسات نسائية” في صرح متحف العلوم

هشام التواتي

في لحظة أكاديمية نابضة بالمعنى، اجتمع أساتذة وباحثون وطلبة بكلية الآداب ظهر المهراز داخل متحف العلوم التابع للجامعة، ليشهدوا ميلادًا فكريًا جديدًا يؤرخ للحركات النسائية والتحولات الاجتماعية، ويعيد قراءة نصف قرن من نضال المرأة المغربية في ضوء مقاربات علمية وتجارب مقارنة.

شهد متحف العلوم بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، صباح اليوم السبت 22 نونبر 2025 تقديم وتوقيع الكتاب الجماعي “دراسات نسائية: الحركات النسائية والتحولات الاجتماعية، مقاربات متعددة ورؤى مقارنة”، لحظة أكاديمية استثنائية جمعت بين رهانات البحث العلمي وأسئلة المجتمع وتحولاته. مكان التوقيع لم يكن تفصيلاً عابرًا؛ فاحتضان متحف العلوم لهذا الحدث كان رسالة واضحة بأن الجامعة لا تكتفي بإنتاج المعرفة، بل تسعى إلى تحويل فضاءاتها العلمية إلى منصات للتفكير في التغيير الاجتماعي وصناعة الوعي.

افتُتِح اللقاء بكلمة مؤثرة لمسير الجلسة الدكتور عبد الحي المعتصم، الذي اعتبر أن هذا الإصدار “لا يدرس قضايا المرأة بوصفها شأنًا خاصًا بها، بل باعتبارها قضية مجتمعية تمس نسيج المجتمع وتؤسس لمستقبله”. كلمة حملت نبرة تقدير للجهد العلمي الجماعي الذي يقف وراء هذا الكتاب، وإشارة دقيقة إلى أن الدراسات النسائية ليست ترفًا معرفيًا، بل ضرورة يفرضها واقع اجتماعي متحوّل.

وجاءت كلمة العميد الدكتور محمد مبتسم لتؤكد المسار نفسه، إذ اعتبر في افتتاحيته أن موضوع الحركات النسائية والتحولات الاجتماعية “يكتسي اليوم أهمية بالغة أمام التحولات العميقة التي تعرفها مجتمعاتنا”، مبرزًا دور الجامعة في فتح فضاءات للتفكير النقدي وتفاعل التخصصات. وشدّد العميد على أن الطلبة الباحثين “هم محور العملية العلمية، وحضورهم الفاعل في مثل هذه اللقاءات هو ما يصنع المستقبل العلمي”.

ثم أخذت الكلمة الأستاذة أسماء بنعدادة، محرّرة السلسلة ومؤسسة مشروعها، لتقدّم شهادة أكاديمية حية حول مسار هذه المبادرة. تحدثت بنبرة ممتنة وصادقة عن الدعم المؤسسي الذي قدّمته رئاسة الجامعة والعمادة، مبرزةً أن هذا الكتاب “هو ثمرة عمل تشاركي، تدل كلمة الجماعي فيه على قوة العلاقة البحثية بين الأساتذة والطلبة، وعلى إيمان راسخ بأن المعرفة تُبنى بالحوار والمشاركة”. وأضافت بنعدادة أن الدراسات النسائية رغم حضورها العالمي القوي “لا تزال ضعيفة في الجامعة المغربية، وأن الحاجة اليوم ملحّة لبناء ثقافة المساواة عبر البحث العلمي والنقاش الأكاديمي”.

وعلى مستوى المضمون، استعرض البرنامج العلمي للقاء مجموعة من المداخلات التي عكست تنوع المقاربات وتعدد زوايا النظر. فقد تناولت الطالبة الباحثة فاطمة الخمليشي واقع النسوية الغربية وتنوع مرجعياتها، فيما قدّم الباحثان حميد القيبوص وعمر حيسوم قراءة لتطور الحركة النسائية بالمغرب وتحديات مرحلة ما بعد الربيع العربي. كما قدّمت الدكتورة خولة بنشريفة تحليلاً سوسيولوجيًا لنتائج التمكين النسائي استنادًا إلى المعطيات الرسمية، في حين تناول الدكتور عبد الحي المعتصم رهانات التمكين النسوي في ظل الإكراهات الاجتماعية الراهنة. وجاءت مداخلة الدكتورة ابتسام بوكعيبات لتكشف التحول النوعي في الاحتجاج النسائي المغربي وانتقاله من الواقعي إلى الرقمي، بينما قدّم الباحث منعم بناني قراءة نقدية في موضوع الجنسانية من منظور نسوي.

وتكتمل هذه الرؤية في بنية الكتاب الذي يضم مقالات تتقاطع فيها العلوم الاجتماعية مع التاريخ والاقتصاد والإعلام، للاقتراب من فهم التغيرات العميقة التي تعرفها قضايا النساء. فالكتاب، كما ورد في تقديمه، لا يكتفي بالتوثيق والتحليل، بل يدعو إلى “حوار عابر للثقافات حول قضايا المرأة، وبناء جسور للتعاون بين الحركات النسائية في الشمال والجنوب”، مؤكدًا أن تحقيق المساواة والعدالة الجندرية يحتاج إلى “استراتيجيات مستدامة وتبادل للخبرات وتجديد لآليات العمل”.

إن تقديم هذا الكتاب داخل متحف العلوم ليس مجرد إطار رمزي، بل هو توقيع على التزام الجامعة بفتح أبوابها على النقاشات الحيوية التي تهم المجتمع المغربي. ففي هذا المكان الذي يجتمع فيه التاريخ بالبحث العلمي، بدا وكأن السوسيولوجيا تعلن تحالفها مع العلوم، لتقول إن التحولات العميقة لا تُقرأ إلا في ضوء تكامل المعرفة وتفاعل الأجيال.

ومع انتهاء الحفل، بدا واضحًا أن “دراسات نسائية” ليس مجرد كتاب يضاف إلى رفوف المكتبة الجامعية، بل هو مشروع معرفي مستمر، يحمل طموحًا راسخًا في صياغة قراءة جديدة للتحولات الاجتماعية، ويفتح أمام الباحثين والطلبة والمهتمين أفقًا للتفكير في واقع المرأة ومستقبلها، بما يليق بعمق التجربة المغربية وغنى التحولات التي تعيشها.

إن احتضان جامعة فاس لهذا اللقاء العلمي هو إعلان آخر بأن المعرفة ليست حبيسة القاعات، بل رافعة للتغيير الاجتماعي، ومرآة تعكس نبض المجتمع، وتكتب، من جديد، تاريخ المرأة بصوت العلم وضمير الجامعة.