فاس تستعيد نبض الوحدة… حين تتحوّل ندوة وطنية إلى درس جماعي في الوعي بقضية الصحراء
هشام التواتي
في مساءٍ خريفي يقترب من لحظات الاحتفاء بذكرى المسيرة الخضراء وعيد الاستقلال، امتلأت القاعة الكبرى لجماعة فاس بما يشبه المشهد الوطني المصغّر. ما إن دقت الساعة الرابعة من مساء الأحد 16 نونبر 2025، حتى تحوّل فضاء القاعة إلى نقطة التقاء بين الأجيال والاهتمامات والانتماءات المهنية. قرابة 1500 شخص: نساء ورجال، شباب وأطفال، أكاديميون، برلمانيون، موظفون، تجار، فاعلون جمعويون، وحرفيون وطلبة وتلاميذ…جاؤوا يحملون سؤالاً واحداً: ماذا بعد القرار الأممي الذي كرّس الحكم الذاتي كحلّ وحيد لهذا النزاع الذي دام نصف قرن؟
لم تكن الندوة مجرد لقاء فكري؛ كانت مشهداً إنسانياً نابضاً، يحمل ملامح فاس حين تنصهر حول قضية الوطن. وقد أحسّ الحاضرون، منذ اللحظة الأولى، بأنهم أمام حدث بصيغته الوطنية لا المحلية فقط، بدءاً من الحضور الكثيف الذي اضطرّ عشرات الأشخاص للوقوف طيلة ساعتين من أجل متابعة أطوارها، وصولاً إلى التنظيم المحكم الذي تولّت تفاصيله لجنة يقظة ومتناسقة.
افتُتِح اللقاء بكلمة هادئة وقوية في الآن نفسه للدكتور رضوان الغفولي الذي أدار الندوة باقتدارٍ لافت، واضعاً النقاش في سياقه السياسي الجديد، وداعياً إلى قراءة ما بعد المسيرة الخضراء بمنظار التحولات التي أعاد القرار الأممي الأخير ترتيبها. كلماتُه الأولى كسرت رتابة الندوات التقليدية؛ فقد خاطب الحاضرين كما لو كانوا أطرافاً مباشرة في صنع هذا الوعي، لا مجرد مستمعين يجلسون على مقاعد خشبية.
المداخلة الأولى كانت للدكتور محمد مزيان، الذي قدّم درساً تاريخياً مُكثّفاً، أعاد من خلاله بناء سردية الصحراء منذ بدايات القرن الماضي. ذكّر الحضور بأن المغرب كان مقسّماً إلى ثلاث مناطق محتلة، قبل أن يخوض معركة التحرير خطوة خطوة. وبين حديثه عن رأي محكمة العدل الدولية سنة 1975 حول الروابط القانونية والتاريخية بين المغرب والصحراء، ومروره على نشأة البوليساريو بتسهيل جزائري—ليبي، ثم سنوات المواجهة العسكرية والجدار الأمني، وصولاً إلى الدبلوماسية الأممية وتعاقب القرارات، بدا أن الرجل ينسج خيطاً واحداً: «لقد انتظر المغرب خمسين سنة كي يسمع العالم ما كان يقوله دائماً». كان الجمهور ينصت بإمعان، وبعض كبار السن كانوا يومئون برؤوسهم كمن يسترجع تفاصيل عاشها أو سمع عنها في راديو الثمانينات.
أما الباحث علي لقصب، فانتقل بالحاضرين من التاريخ إلى سؤال الشرعية والسيادة. تحدث بصوت واضح وحازم عن «النظارة الوحيدة» التي ينظر بها المغرب إلى العالم: مغربية الصحراء. شدّد على الفرق الجوهري بين عالمين: عالم التنمية والحقوق وضمان الكرامة تحت السيادة المغربية في الأقاليم الجنوبية، وعالم آخر يكتنفه اليأس والانقسام والمعاناة في مخيمات تندوف. استحضر الدبلوماسية المغربية النشطة، وتضحيات الجنود، وحكمة القيادة الملكية، مساهماً في تقريب الفروق الأخلاقية والإنسانية قبل القانونية والسياسية.
ثم جاء دور الدكتور عبد الرزاق الهيري، الذي فتح نوافذ جديدة للنقاش، متجهاً نحو الاقتصاد والفرص التي يحرّكها المشروع التنموي الجديد. تحدث عن ميناء الداخلة الأطلسي الذي سيكون جاهزاً سنة 2028، وعن المبادرة الملكية الأطلسية التي ستمكّن دول إفريقيا جنوب الصحراء من الولوج إلى البحر، وعن ما تحمله هذه المشاريع من آفاق غير مسبوقة للشباب والمقاولات. كانت كلماته أشبه بوعود مبنية على معطيات صلبة: «نحن أمام تحول اقتصادي سيغيّر الخريطة الجيو-استراتيجية للمنطقة».
القاعة لم تكن صامتة. في الفقرات التنشيطية التي تخللت الندوة، تداخلت لحظات فنية ووطنية قصيرة مع كلمات تفاعلية للحضور، في مزيج منح اللقاء دفئاً إضافياً. إحدى السيدات، فاطمة، قالت بابتسامة واسعة: «أنا فرحانة اليوم… ماشي غير للاحتفال، ولكن لنسمع شروحات أساتذة كبار على التحولات اللي وقعات فالصحراء من بعد القرار الأممي». بينما اعتبر أحمد، وهو من شباب المجتمع المدني، أن «هذا الحضور الكثيف دليل على أن فاس قادرة تعبّئ الناس للقضية الوطنية، ماشي فقط فالمناسبات الاحتفالية».
هكذا بدت الندوة: منصة للعلم والمعرفة، وأرضية لإعادة قراءة قضية طالما وُصفت بأنها “قضية كل المغاربة”. لكن أهم ما كشفه هذا اللقاء هو أن الصحراء ليست ملفاً ديبلوماسياً فقط، بل ذاكرة مشتركة وقناعة راسخة ووعي شعبي يتحرك كلما شعر المغاربة أن لحظة تاريخية جديدة تلوح في الأفق.
في تلك الليلة، غادَرَ الحاضرون من القاعة الكبرى لجماعة فاس، وقد حمل كل واحد منهم شيئاً جديداً: فهماً، أو طمأنينة، أو اعتزازاً، أو ربما يقيناً بأن المرحلة القادمة ستكون مختلفة. فالقرار الأممي الأخير، وما رافقه من تحولات سياسية واقتصادية، لم يعد مجرد خبر دولي؛ أصبح جزءاً من نبض المدن، ومن حديث الناس، ومن مشاهد كتلك التي عاشتها فاس في هذا اليوم الوطني المميز.






