الفسخ القضائي للعقود بين الفقه والقانون : أطروحة جامعية تلامس صميم العدالة التعاقدية

الفسخ القضائي للعقود بين الفقه والقانون : أطروحة جامعية تلامس صميم العدالة التعاقدية

هشام التواتي 

شهدت كلية الشريعة بفاس حدثاً علمياً مميزاً تمثل في مناقشة أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في تخصص الفقه المقارن بالقانون، تقدم بها الباحث عبد الله منيوي، تحت عنوان “الفسخ القضائي للعقود: دراسة فقهية قانونية قضائية مقارنة”. وقد عكست هذه الأطروحة عمقاً في التحليل وأصالة في الطرح، حيث لامست إشكالية محورية في المعاملات المدنية والتجارية والإدارية، وهي فسخ العقود قضاءً عند إخلال أحد الطرفين بالتزاماته، وهو موضوع يتقاطع فيه الفقه الإسلامي مع التشريعات الوضعية الحديثة.

تكوّنت اللجنة العلمية المشرفة على مناقشة الأطروحة من نخبة من الأساتذة المتخصصين، ترأسها الدكتور محمد المصمودي، أستاذ التعليم العالي بكلية الشريعة بفاس، وشارك فيها كل من الدكتور رشيد البكاري بصفته مشرفاً، والدكتورة فاطمة ملول، والدكتورة نجاة الحافضي من كلية العلوم القانونية والسياسية بسطات، والدكتور يوسف حمومي. وبعد مناقشة علمية دامت زهاء أربع ساعات، قررت اللجنة قبول الأطروحة بميزة مشرف جداً، مع التوصية بنشرها، وهو ما يعكس قيمة العمل وجودته العلمية.

في تقريره التمهيدي، أكد الطالب الباحث أن العقود تمثل الإطار الأساسي لتنظيم العلاقات بين الأفراد في المجتمع، باعتبارها وسيلة لتحقيق العدالة والتوازن. واستند إلى النصوص القرآنية التي تعزز وجوب الوفاء بالعقود، مبرزاً أن الإخلال بها قد يؤدي إلى اضطراب المعاملات، مما يبرر اللجوء إلى القضاء لطلب الفسخ كإجراء استثنائي يُعيد التوازن ويحمي الحقوق.

وقد أبرز الباحث أن موضوع الفسخ القضائي يعاني من نقص بيّن في المكتبة الجامعية المغربية، حيث غالباً ما يتم التطرق إليه بشكل عرضي في إطار مواضيع أوسع تتعلق بتنفيذ العقود أو الامتناع عنه. ومن هنا جاءت أطروحته لسد هذا النقص، وتقديم معالجة منهجية وعلمية تجمع بين التأصيل الفقهي والتشريع المقارن، في مقدمتهم القانون الفرنسي الذي شهد إصلاحاً جذرياً سنة 2016، والقانون المصري الغني باجتهاداته الفقهية والقضائية.

اعتمد الباحث في دراسته على مقاربة متعددة الأبعاد؛ من بينها المنهج التاريخي لتتبع تطور مفهوم الفسخ في القانون الروماني والكنسي، والمنهج التحليلي لتفكيك النصوص القانونية والفقهية، والمنهج المقارن لبيان أوجه التلاقي والاختلاف بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية. كما عمل على التوفيق بين مبدأ سلطان الإرادة الذي يحمي حرية التعاقد، ومبدأ استقرار المعاملات الذي يسعى لضمان تنفيذ الالتزامات.

وشكّل الجانب التطبيقي من الدراسة نقطة قوة لافتة، حيث ناقش الباحث دعوى الفسخ القضائي وإجراءاتها وحدود السلطة التقديرية للقضاء في هذا السياق، مع عرض دقيق لآثار الفسخ القضائي سواء بالنسبة لأطراف العقد أو للغير، مبرزاً تأثير الظروف الطارئة مثل جائحة كورونا على تنفيذ الالتزامات، وتفاعل القضاء المغربي مع هذه الحالات من خلال نظرية الظروف الطارئة.

وانتقل الباحث إلى دراسة التطبيقات القضائية للفسخ في مجموعة من العقود المدنية كعقود البيع والإيجار، وفي العقود التجارية كعقود التأمين والوكالة، وصولاً إلى العقود الإدارية مثل الصفقات العمومية، مع التوقف عند دور القضاء في تسوية النزاعات الناشئة عن إخلال أحد الأطراف بالتزاماته.

وفي خاتمة عمله، خلص الباحث إلى مجموعة من النتائج، أهمها مرونة الشريعة الإسلامية في معالجة النزاعات العقدية، وتباين القوانين الوضعية في التعاطي مع الفسخ القضائي، ووجود ثغرات تطبيقية ينبغي تداركها. وقدّم توصيات عملية لتطوير المنظومة القانونية، من بينها تعديل الفصل 259 من قانون الالتزامات والعقود المغربي، وتحديد معايير واضحة لممارسة الفسخ، وتوسيع سلطة القضاء في التعامل مع حالات التأخير في التنفيذ.

لقد جسّدت هذه الأطروحة نموذجاً للبحث القانوني الرصين، الذي يجمع بين التأصيل الفقهي والتحليل التشريعي والممارسة القضائية، في موضوع يمس جوهر العدالة العقدية. وهي تمثل مساهمة علمية نوعية في حقل الفقه والقانون، وتفتح الباب لمزيد من الدراسات التي تعزز من مواءمة النصوص القانونية مع المقاصد الشرعية، وتخدم استقرار المعاملات في المجتمع المغربي.