الجمعية الجهوية للمحامين الشباب بفاس والمرصد الجهوي للإجرام يتصدران نقاشاً وطنياً حول قانون المسطرة الجنائية 03.23

الجمعية الجهوية للمحامين الشباب بفاس والمرصد الجهوي للإجرام يتصدران نقاشاً وطنياً حول قانون المسطرة الجنائية 03.23

هشام التواتي

لم تكن الندوة العلمية الوطنية حول موضوع “قانون المسطرة الجنائية 03.23 بين تعزيز الضمانات وتحديث الإجراءات” مجرد حدث أكاديمي عابر، بل لحظة فكرية وحقوقية عميقة أعادت إلى الواجهة سؤال العدالة الجنائية في المغرب، وحدود التوازن بين حماية النظام العام وصون الحقوق والحريات. لقد جاءت هذه المبادرة في سياق رمزي ذي دلالة خاصة، متزامنة مع الاحتفاء باليوم العالمي لحقوق الإنسان، بما يحمله هذا التاريخ من بعد كوني وقيمي يدعو إلى التأمل في مسارات الإصلاح القانوني، وإلى قياس مدى انسجام التشريعات الوطنية مع روح الدستور والمواثيق الدولية. ومن قلب كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، حيث التأم ثلّة من القضاة والمحامين والباحثين والخبراء، برز العمق الفكري لهذا الموعد العلمي، وشكّل تنظيمه بشراكة بين  المرصد الجهوي للإجرام بكلية الحقوق بفاس والجمعية الجهوية للمحامين الشباب بفاس تأكيداً جديداً على ديناميّة هذه الأخيرة، وحضورها القوي في المحطات القانونية الكبرى التي تبصم الساحة الحقوقية والقضائية بجهة فاس–مكناس والمغرب عموماً.

منذ الجلسة الافتتاحية التي ترأسها الدكتور محمد بوزلافة، عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، بدا واضحاً أن الندوة لم تُرِد الاكتفاء بالتحليل النظري، بل اختارت الاقتراب من عمق التحولات التي جاء بها قانون المسطرة الجنائية 03.23، باعتباره أحد أهم المؤشرات على مسار تحديث العدالة الجنائية وترسيخ ضمانات المحاكمة العادلة. وقد تتابعت كلمات كل من الدكتور غسان باحو أمرسال ممثلاً للسيد نقيب هيئة المحامين بفاس، والدكتور صلاح الدين معتوق رئيس شعبة القانون الخاص، والدكتورة سهيلة بوزلافة مديرة المرصد الجهوي للإجرام، والأستاذة فاطمة الزهراء أجرور رئيسة الجمعية الجهوية للمحامين الشباب بفاس، لتضع الإطار الفكري والحقوقي العام لهذا الموعد العلمي، وتؤكد أن إصلاح المسطرة الجنائية ليس مجرد مراجعة تقنية للنصوص، بل هو ورش مجتمعي يمسّ جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين سلطة الاتهام وحقوق الدفاع، وبين مقتضيات الأمن ومتطلبات الكرامة الإنسانية.

وقد شكّلت كلمة الأستاذة فاطمة الزهراء أجرور، بصفتها رئيسة الجمعية الجهوية للمحامين الشباب بفاس، محطة لافتة في هذا المسار؛ إذ عبّرت، بأسلوب يجمع بين الواقعية والحسّ المهني، عن قناعة راسخة بأن المحامي ليس مجرد طرف في مسار التقاضي، بل شريك أساسي في حماية حقوق الإنسان وترسيخ أسس المحاكمة العادلة. وأبرزت، بشكل مباشر وغير مباشر، أن الجمعية، بحضورها المتواصل ومبادراتها العلمية والمهنية، تواصل لعب دور جسري بين الجامعة ومجتمع الممارسة القانونية، وتسهم في تعميق ثقافة النقاش حول النصوص المنظمة للعدالة، بما يضمن مقاربة هادئة ومسؤولة للإصلاحات التشريعية. كما شدّدت على أن قانون المسطرة الجنائية الجديد يضع الممارسين أمام مسؤولية مضاعفة: مسؤولية الفهم الدقيق للمستجدات، ومسؤولية تنزيلها العملي بما يحقق فلسفتها الحقوقية، لا مجرد بعدها الشكلي. وجاء توقيع اتفاقية الشراكة بين الجمعية الجهوية للمحامين الشباب بفاس والمرصد الجهوي للإجرام ليترجم هذا التوجّه إلى إطار مؤسساتي دائم للتعاون، يروم تطوير البحث العلمي وتعزيز جسور التواصل بين الفاعلين القانونيين والمهنيين والباحثين.

أما الجلسة العلمية الأولى التي ترأسها الدكتور صلاح الدين معتوق، فقد عرفت مداخلات رفيعة المستوى، تولّت الباحثة فدوى بلعياشي مهمة مقررها. افتتحها الأستاذ عبد الكبير طبيح بمداخلة حول “الوضع القانوني الجديد للنيابة العامة في قانون المسطرة الجنائية 03.23”، حيث توقف عند التحولات البنيوية التي طالت موقع النيابة العامة وأدوارها، وما ترتّب عن ذلك من إعادة صياغة للعلاقة بين سلطة الاتهام وضمانات الأفراد. تلاه الأستاذ إدريس شاطر، النقيب السابق ورئيس شرفي للاتحاد الدولي للمحامين، الذي تناول موضوع “دور المحامي في ضمان المحاكمة العادلة”، مؤكداً أن وجود محامٍ يقظ ومتمكن هو جزء من منظومة الحماية الحقوقية، وليس امتيازاً إجرائياً. ثم جاء تدخل الأستاذ مراد العلمي، رئيس شعبة تنفيذ السياسة الجنائية برئاسة النيابة العامة، ليعرض “مستجدات عمل النيابة العامة على ضوء تعديل قانون المسطرة الجنائية”، متوقفاً عند آليات التنسيق، وترشيد الاعتقال الاحتياطي، وتطوير أدوات التتبع المؤسساتي. واختتم الدكتور عدنان المتفوق، الكاتب العام لنادي قضاة المغرب، هذه الجلسة بمداخلة دقيقة حول “الاعتقال الاحتياطي في ضوء تعديلات قانون المسطرة الجنائية”، طرح من خلالها سؤال النجاعة ومدى قدرة النص الجديد على معالجة اختلالات التجربة السابقة.

وفي الجلسة العلمية الثانية، التي ترأسها الدكتور فؤاد بنونة وتولى إعداد تقريرها أنس بن احدش، تجدد نفس النفس العلمي الرصين. قدّم الدكتور محمد بوزلافة مداخلة بعنوان: “قانون المسطرة الجنائية 03.23… أي تعزيز لضمانات المحاكمة المنصفة؟”، مبرزاً الطابع المعياري لهذا النص ودوره في تكريس الرقابة الدستورية والحقوقية على المساطر الجنائية. بينما تناول الأستاذ حميد بلمكي، رئيس المحكمة الابتدائية بصفرو، موضوع “تدخل رئيس المحكمة لحماية الحق في المحاكمة العادلة”، مستعرضاً حدود تدخل القضاء لحماية المتقاضين في محطات حسّاسة من المسار الإجرائي. أما الأستاذة نعيمة الكلاف، عضو مجلس هيئة المحامين بالرباط، فقد ناقشت موضوع “توازن سلطة الدفاع وسلطة الاتهام في قانون المسطرة الجنائية”، ووقفت عند النقاط التي ما تزال في حاجة إلى مزيد من النقاش والتدقيق لتعزيز مبدأ التوازن الإجرائي.

وقد عبّر الأستاذ غسان باحو أمرسال، في تصريحه على هامش الندوة، عن تقديره لهذه المبادرة التي اعتبرها مساهمة عملية في شرح مقتضيات قانون جديد يتضمن تعديلات جوهرية وأخرى مكملة، مؤكداً أن مثل هذه اللقاءات العلمية تسهّل الممارسة المهنية وتفتح آفاق الفهم أمام الممارسين والطلبة والباحثين، وتساعد على استيعاب فلسفة النصوص قبل تطبيقها.

بهذا الزخم الفكري والحضور المؤسسي، بدت الندوة وكأنها مختبر حيّ للتفكير في مستقبل العدالة الجنائية بالمغرب، ومرآة لإرادة جماعية تسعى إلى جعل قانون المسطرة الجنائية ليس فقط إطاراً تنظيمياً للإجراءات، بل ضمانة عملية لكرامة الإنسان وحقه في محاكمة عادلة ومنصفة. وهي خاتمة مفتوحة على أسئلة قادمة، لأن ورش العدالة،  كما ذكّر المشاركون ، لا يُقفل بنص واحد، بل يتجدد بوعي مجتمعي ومهني يضع الإنسان في قلب كل إصلاح.