حين يستبق الوعي الخطر: المرصد الجهوي للإجرام يفتح نقاش “البوفا” من قلب الجامعة

حين يستبق الوعي الخطر: المرصد الجهوي للإجرام يفتح نقاش “البوفا” من قلب الجامعة

هشام التواتي

في وقت تتسارع فيه التحولات الاجتماعية وتتعقد أشكال الجريمة، تفرض بعض الظواهر نفسها بإلحاح، لا لأنها جديدة فحسب، بل لأنها أكثر قسوة وتأثيرًا على الإنسان والمجتمع. مخدر “البوفا” واحد من هذه الظواهر التي باتت تثير قلق الأسر والمؤسسات، لما تحمله من تهديد مباشر للشباب وللسلم الاجتماعي. من هذا المنطلق، يستعد المرصد الجهوي للإجرام لتنظيم خميس توعوي علمي وتحسيسي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، في مبادرة تستبق الخطر قبل أن يتحول إلى واقع يصعب احتواؤه.

يحتضن مدرج كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، صباح الخميس 25 دجنبر 2025، خميس التوعية الذي ينظمه المرصد الجهوي للإجرام، بشراكة مع المرصد الوطني للإجرام التابع لمديرية الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة بوزارة العدل، وذلك لتقديم دراسة تحليلية حول موضوع “مخدر البوفا بالمغرب: الاتجاهات والاستجابات الاستراتيجية”.

ويأتي هذا اللقاء في سياق دقيق، تتزايد فيه المؤشرات المقلقة المرتبطة بانتشار هذا المخدر شديد الخطورة، خصوصًا في صفوف فئات شابة، حيث لا يقتصر تأثيره على الإدمان الصحي فحسب، بل يمتد إلى السلوك العنيف، والتفكك الأسري، وارتفاع بعض مظاهر الجريمة. وهو ما يجعل من اختيار الموضوع وتوقيته قرارًا مسؤولًا، يعكس وعيًا مؤسساتيًا بضرورة الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق.

الدور الذي يضطلع به المرصد الجهوي للإجرام في هذه المبادرة يتجاوز الإطار الأكاديمي الضيق، ليؤكد موقعه كفاعل استراتيجي في قراءة الظاهرة الإجرامية وتحولاتها. فالمرصد، من خلال رصده للمعطيات وتحليل الاتجاهات، يساهم في بناء معرفة علمية دقيقة تُسند صناع القرار، وتُغني النقاش العمومي، وتُعيد للجامعة دورها كمختبر للأفكار ومجال للتفاعل مع قضايا المجتمع الحقيقية.

وتكتسي الفئة المستهدفة من هذا الخميس التوعوي أهمية خاصة، إذ يشمل الطلبة والباحثين والفاعلين القانونيين والاجتماعيين، في لحظة يُراد لها أن تكون فضاءً للنقاش المفتوح وتبادل الرؤى. فمخدر “البوفا” ليس قضية أمنية فقط، بل إشكال مركب يستدعي مقاربات قانونية وصحية وتربوية متكاملة، تبدأ بالوعي وتنتهي بالوقاية.

ومن المنتظر أن تفتح الدراسة المقدمة آفاقًا عملية، من خلال استخلاص جملة من الخلاصات والتوصيات، في مقدمتها تعزيز آليات التحسيس داخل المؤسسات الجامعية، وتكثيف التنسيق بين المتدخلين، وتطوير أدوات الرصد المبكر، إلى جانب الدعوة لاعتماد سياسات وقائية تُعلي من قيمة الإنسان وتحمي الفئات الهشة من السقوط في دوامة الإدمان والجريمة.

ليس تنظيم خميس التوعية حول مخدر البوفا مجرد محطة علمية عابرة، بل هو تعبير عن وعي جماعي بأن المعركة ضد المخدرات تبدأ بالفهم قبل الزجر، وبالوقاية قبل العقاب. وما يقدمه المرصد الجهوي للإجرام، وهو يضع الجامعة في صلب هذا النقاش، يؤكد أن المعرفة حين تُسخَّر لخدمة المجتمع، تتحول إلى قوة اقتراح وتأثير. ويبقى الرهان الأكبر أن تتحول خلاصات هذا اللقاء إلى مسار دائم، يربط البحث العلمي بالفعل الميداني، ويجعل من الوعي خط الدفاع الأول عن مستقبل الشباب والمجتمع.