الجامعة المغربية بين مطرقة الإصلاح وسندان الاحتقان: نقابة العاملين تطلق صفارة الإنذار

الجامعة المغربية بين مطرقة الإصلاح وسندان الاحتقان: نقابة العاملين تطلق صفارة الإنذار

هشام التواتي

في زمن يتحتم فيه الحديث عن مستقبل التعليم العالي كأولوية وطنية استراتيجية، يطل ملف الأوضاع المهنية والاجتماعية لموظفي القطاع برأسه مجدداً. فبينما تتجه الحكومة نحو تنزيل رؤيتها للإصلاح، المتمثلة في قانون الجامعة الجديد (59-24) وإعادة هيكلة الخدمات الجامعية، يقف العاملون في القطاع على الضفة الأخرى بقراءة مختلفة تماماً لهذه التحولات. مساء الأحد 21 فبراير 2026، عقد المكتب الوطني للنقابة الوطنية للعاملين بالتعليم العالي (SNTES) اجتماعاً عن بعد خرج بخلاصات تعكس حالة من الاستنفار والقلق إزاء توجهات الوزارة الوصية. بين اتهامات بالتفكيك ومساعٍ للإصلاح، يظل السؤال الجوهري مطروحاً: كيف يمكن الخروج من هذا المأزق دون التضحية بجودة التعليم العالي ولا بحقوق المشتغلين فيه؟

يكشف مضمون البيان النقابي عن تراكم احتقان يمتد لأشهر، إن لم نقل لسنوات. ففي صلب المطالب، يبرز شبح "النظام الأساسي" الذي ينتظره الآلاف من موظفي التعليم العالي كمدخل لتحسين أوضاعهم المادية والاعتبارية. النقابة تتحدث هنا عن "تعثر مستمر" و"غياب الوضوح الرسمي" في بلورة هذا النظام، مما يخلق فراغاً قانونياً ينعكس سلباً على المسار المهني للأفراد. غير أن المتتبع للشأن العمومي يدرك أن هذا الملف ليس بمعزل عن سياق أوسع. فالحكومة، من جانبها، تعمل على تنزيل إصلاحات هيكلية في قطاعات متعددة، وترى في قانون التعليم العالي الجديد نقلة نوعية نحو عصرنة القطاع وربطه بمحيطه الاقتصادي. هنا بالضبط يقع مركز الثقل في الخلاف: هل الإصلاح يعني بالضرورة المساس بالمكتسبات، كما ترى النقابة؟ أم أن هناك إمكانية للتوفيق بين التحديث الإداري والعدالة الاجتماعية؟

أحد أكثر النقاط إثارة للجدل في البيان هو ما يتعلق بالخدمات الاجتماعية الجامعية. التحذير من "خوصصة الأحياء الجامعية" وتفويت تدبيرها للمقاولات الخاصة يفتح نافذة على نقاش عميق حول دور الدولة في المجال الاجتماعي. فمن جهة، يمكن النظر إلى إشراك القطاع الخاص كآلية لتحسين جودة الخدمات وتخفيف الأعباء الإدارية على الدولة. ومن جهة أخرى، يحمل التحول، كما تصفه النقابة، مخاطر "ضرب الطابع الاجتماعي" للخدمات وتهديد استقرار العاملين فيها. النقطة الأكثر إثارة للانتباه هي ما أسماه البيان بـ"فرض رسوم باهظة" على الموظفين الراغبين في متابعة دراستهم تحت نظام "التوقيت الميسر". هذا الإجراء بالتحديد، إن صح، يضعنا أمام مفارقة: موظفو الجامعة، الذين يقضون أوقاتهم في خدمة المؤسسة، يجدون أنفسهم أمام عراقيل مالية لمجرد تطوير كفاءاتهم داخل نفس الجامعة.

لا يمكن قراءة هذا البيان بمعزل عن الدينامية الداخلية للنقابة ذاتها. فالدعوة إلى عقد "جموعات عامة جهوية ومحلية" والتحضير لـ"المؤتمر الوطني الرابع" تعكس رغبة في تجديد الشراكة مع القواعد واستعداداً لمرحلة قد تعرف تصعيداً نضالياً. إلا أن اللافت في الخطاب النقابي هو توسعه الأفقي. فالبيان لا يقتصر على مطالب قطاعية ضيقة، بل يجدد التضامن مع نضالات قطاعات أخرى ويرفض "قانون الإضراب" ومشروع إدماج "الكنوبس" في الضمان الاجتماعي. هذا التوسع يعكس وعياً بترابط الأوضاع الاجتماعية، لكنه قد يقرأ أيضاً كتحول نحو خطاب سياسي معارض بامتياز، مما قد يعقد عملية التفاوض القطاعي.

الجامعة المغربية اليوم في مفترق طرق. الحكومة تبحث عن النجاعة والفعالية، والنقابة تبحث عن الضمانات والحقوق، والمشهد الحالي يذكرنا بجدلية الإصلاح والاحتجاج التي تطبع تاريخ السياسات العمومية في المغرب. الأكيد أن غياب الحوار القطاعي الجدي، الذي تنعته النقابة بالشكلي، لن يؤدي سوى إلى تراكم الغضب. لعل ما تحتاجه المرحلة هو الانتقال من منطق "الحوار الشكلي" إلى حوار استراتيجي حقيقي، يُشرك النقابة ليس كمستشار لاحق، بل كشريك في صياغة التصورات منذ البداية. فالتجارب المقارنة تثبت أن نجاح أي إصلاح في قطاع حساس كالتعليم العالي يظل رهينًا بامتلاك المشتغلين فيه لإحساس بالملكية تجاه هذا الإصلاح، بدل أن يشعروا بأنه يُفرض عليهم من فوق.

هكذا، تبقى الكرة في ملعب الجميع. وزارة التعليم العالي مطالبة بإثبات حسن نواياها عبر تجاوز الشكليات والانخراط في حوار قطاعي منتج. والنقابة بدورها مطالبة بتقديم مقترحات عملية قابلة للتنفيذ لا تكتفي برفض الإصلاحات. في النهاية، يبقى الرهان الأكبر هو مصير الجامعة العمومية، التي تظل، رغم كل التجاذبات، الفضاء الوحيد القادر على ضمان تكافؤ الفرص لأبناء وبنات المغرب. فهل ننجح في إنقاذها من صراع "الغالب والمغلوب" إلى منطق "الشركاء في البناء"؟

الملفات