الاتحاد العام للشغالين بالمغرب: علاكوش أمام اختبار ترميم نقابة أنهكتها السياسة

الاتحاد العام للشغالين بالمغرب: علاكوش أمام اختبار ترميم نقابة أنهكتها السياسة

هشام التواتي

لم يكن انتخاب يوسف علاكوش كاتباً عاماً للاتحاد العام للشغالين بالمغرب في 26 أبريل 2026 مجرد انتقال عادي في قيادة مركزية نقابية عريقة، بل جاء تتويجاً لمسار طويل من التحولات الداخلية والسياسية بدأ فعلياً منذ ماي 2017، حين غادر الاتحاد مرحلة التجاذب الحاد المرتبط بإرث حميد شباط وتولى النعم ميارة قيادة التنظيم. وبين تلك اللحظة ومحطة ماي 2026، تبدلت موازين كثيرة: داخل حزب الاستقلال، وفي الحقل النقابي، وفي سوق الشغل، وفي علاقة المركزيات الاجتماعية بالحكومة والمشغلين. لذلك تبدو القرارات الأولى لعلاكوش، من خطاب فاتح ماي إلى مذكرتي 11 و20 ماي، محاولة لإعادة ترتيب البيت النقابي على قاعدة جديدة: أقل صخباً، وأكثر ميلاً إلى التوثيق، والتفاوض، والرقمنة، وضبط الشرعية التنظيمية.

حين وصل النعم ميارة إلى قيادة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب سنة 2017، لم يكن الأمر مجرد تغيير اسم بآخر. تنظيمياً، كان يخلف محمد كافي الشراط. لكن سياسياً، قرأت تلك اللحظة بوصفها نهاية نفوذ حميد شباط داخل أحد أهم أذرع حزب الاستقلال الاجتماعية. كان الحزب نفسه خارجاً من توترات داخلية حادة، وكانت النقابة مسرحاً لامتدادات ذلك الصراع. لذلك، اتخذ انتقال القيادة آنذاك معنى مزدوجاً: تصفية حسابات مع مرحلة، ومحاولة فتح صفحة جديدة عنوانها استعادة الشرعية المؤسساتية.

في السنوات اللاحقة، نجح ميارة في تثبيت موقعه داخل الاتحاد، مستفيداً من موقعه النقابي وتجربته البرلمانية ومن التحولات التي عاشها حزب الاستقلال. ثم بلغ نفوذه ذروته بعد انتخابات 2021، حين عزز الاتحاد العام للشغالين حضوره ضمن المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية، قبل أن ينتخب ميارة رئيساً لمجلس المستشارين. تلك اللحظة منحت النقابة إشعاعاً مؤسساتياً غير مسبوق، لكنها حملت في داخلها بذور التوتر. فكلما ارتفع حضور الزعيم النقابي في المؤسسات، ازداد السؤال داخل التنظيم حول موقع النقابة بين الدفاع الاجتماعي والاصطفاف السياسي.

ثم جاءت الولاية الثانية لميارة في فبراير 2024، ظاهرياً قوية، لكنها في العمق فتحت مرحلة جديدة من الاحتقان. فالسياق الوطني لم يعد كما كان: ارتفاع كلفة المعيشة، ضغط القدرة الشرائية، انتظار تنزيل اتفاقات الحوار الاجتماعي، توتر داخل قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والجماعات الترابية، واتساع هشاشة عمال المناولة والحراسة والنظافة. في مثل هذا المناخ، لا تعود النقابة مطالبة فقط بإنتاج خطاب تعبوي، بل بتقديم نتائج ملموسة. هنا بدأت تظهر حدود نموذج القيادة المرتكز على الحضور السياسي أكثر من الاشتغال التنظيمي اليومي.

خسارة ميارة رئاسة مجلس المستشارين في أكتوبر 2024 شكلت بدورها مؤشراً قوياً على تغير التوازنات. فالنقابة التي كانت قد منحت قائدها موقعاً مؤسساتياً رفيعاً، وجدت نفسها لاحقاً أمام سؤال داخلي: هل يمكن الحفاظ على القوة التنظيمية بالاعتماد على الرمزية السياسية وحدها؟ ومع توالي الانتقادات الداخلية، والدعوات إلى مؤتمر استثنائي، بدا أن الاتحاد العام للشغالين دخل مرحلة مراجعة اضطرارية، انتهت بانتخاب يوسف علاكوش بالإجماع في نهاية أبريل 2026.

دلالة انتخاب علاكوش تكمن في أنه قادم من قلب العمل القطاعي، وخصوصاً من قطاع التعليم، لا من موقع سياسي فوقي فقط. وهذا مهم في قراءة قراراته الأولى. فخطاب فاتح ماي لم يكن خطاب قطيعة مع ما سبق، بل محاولة محسوبة للجمع بين الاستمرارية والتصحيح. استحضر الاتفاق الاجتماعي لسنة 2022، وميثاق مأسسة الحوار الاجتماعي، واتفاق 2024، لكنه لم يقدمها كإنجازات مكتملة، بل كالتزامات ما تزال في حاجة إلى تنفيذ وتتبع. وهذا التحول في اللغة مهم: من الاحتفاء بالاتفاق إلى مراقبة تنزيله.

في خطاب فاتح ماي، وضع علاكوش النقابة داخل مثلث واضح: الدفاع عن القدرة الشرائية، حماية الحريات النقابية، وربط النضال الاجتماعي بالمسؤولية الوطنية. لم يخرج عن المرجعية التقليدية للاتحاد العام للشغالين القريبة من حزب الاستقلال، لكنه حاول منحها مضموناً اجتماعياً أكثر مباشرة. فالحديث عن الزيادة في الأجور، وتقليص الفجوة بين الحد الأدنى للأجر في القطاع الفلاحي وغير الفلاحي، وتحسين معاشات المتقاعدين، وتسوية ملفات فئات مهنية متعددة، يعكس وعياً بأن الشرعية النقابية لم تعد تمنحها اليافطات التاريخية، بل القدرة على انتزاع مكاسب قابلة للقياس.

غير أن القرار الأكثر تعبيراً عن توجه القيادة الجديدة جاء في مذكرة 11 ماي المتعلقة باتفاقيات الشغل الجماعية. فهذه المذكرة تنقل الاتحاد من منطق البلاغ العام إلى منطق الوثيقة التعاقدية. إنها تقول للهياكل: لا يكفي أن نرفع المطالب، بل يجب أن نفاوض، ونوثق، ونوقع، ونتتبع التنفيذ. كما أنها تكشف رغبة في تجميع المعطيات حول الاتفاقيات المبرمة خلال السنوات الأخيرة، خاصة في قطاعات المناولة والتدبير المفوض والخدمات والمؤسسات الخاضعة لمدونة الشغل. وهذا اختيار ذكي، لأن هشاشة الشغل في المغرب لم تعد توجد فقط في الأجور، بل أيضاً في غياب قواعد تعاقدية واضحة داخل عدد من المقاولات والمؤسسات.

لكن هذه المذكرة تحمل كذلك رسالة تنظيمية دقيقة: التوقيع باسم الاتحاد يجب أن يتم عبر الكاتب العام أو من يفوض له ذلك. بمعنى آخر، القيادة الجديدة تريد إنهاء التشتت، وربط التفاوض المحلي والقطاعي بالمركز. قد يكون هذا مفيداً لحماية الحقوق وتوحيد المواقف، لكنه يحتاج إلى توازن حتى لا يتحول إلى مركزية خانقة تضعف مبادرة الهياكل الميدانية.

أما مذكرة 20 ماي، فهي ربما الأهم من الناحية التنظيمية. فدعوة الجامعات والنقابات الوطنية والاتحادات الإقليمية إلى تحيين معطياتها، وتقديم اللوائح، ووصولات الإيداع، ومحاضر انتخابات ممثلي الأجراء، ليست إجراءً إدارياً بسيطاً. إنها عملية إحصاء داخلي شاملة لمعرفة الحجم الحقيقي للاتحاد، وتمييز الهياكل النشيطة من الهياكل الورقية، والاستعداد المبكر لاستحقاقات ممثلي المأجورين لسنة 2027. هنا يظهر أن علاكوش لا يريد خوض المرحلة المقبلة بالذاكرة التنظيمية وحدها، بل بقاعدة بيانات دقيقة.

الإشارة إلى منصة إلكترونية خاصة بالاتحاد تكشف بدورها طموحاً لتحديث أدوات العمل النقابي. فإذا نجح هذا الورش، فقد يساعد على تتبع النزاعات، وجمع الملفات، وتحديد الحاجيات في التكوين والترافع، وربط المركز بالجهات والأقاليم بسرعة أكبر. أما إذا بقي مجرد وعد تنظيمي، فسيضاف إلى لائحة طويلة من مشاريع التحديث التي تستهلكها البلاغات ولا تغير الواقع.

في العمق، ما يجري داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب يعكس تحولات أوسع في المغرب. فالنقابة لم تعد تتحرك في سياق اجتماعي بسيط. هناك اقتصاد يبحث عن التنافسية، ومقاولات تضغط لتقليص الكلفة، وأجراء يواجهون الغلاء والهشاشة، ودولة تراهن على الحوار الاجتماعي لتفادي الانفجار، وأحزاب سياسية تحاول الحفاظ على امتداداتها الاجتماعية. وسط هذا كله، تصبح النقابة مطالبة بأن تكون في الوقت نفسه قوة اقتراح، وقوة ضغط، وجهازاً منظماً، ووسيطاً اجتماعياً ذا مصداقية.

لذلك، لا يمكن اختزال صعود علاكوش في كونه نهاية لمرحلة ميارة فقط. هو اختبار لقدرة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب على الانتقال من زمن الصراع حول القيادة إلى زمن بناء المؤسسة. القرارات الأولى توحي برغبة في الضبط والتنظيم والتعاقد، لكنها ستظل بلا قيمة إن لم تترجم إلى حضور فعلي داخل المقاولات والقطاعات، وإلى حماية ملموسة للأجراء، وإلى قدرة تفاوضية لا تكتفي بالمشاركة في الحوار الاجتماعي، بل تؤثر في نتائجه.

لقد دخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب مرحلة جديدة، عنوانها المعلن هو الوحدة والصمود، لكن عنوانها الحقيقي سيكون الفعالية. فبعد سنوات من التجاذب، لم يعد السؤال من يقود النقابة فقط، بل ماذا ستفعل هذه القيادة الجديدة بذاكرة منظمة عريقة، وبملفات اجتماعية ثقيلة، وبطبقة شغيلة تنتظر أقل من الخطابة وأكثر من الإنصاف؟