هيئة التفتيش في صلب الإصلاح: فاس-مكناس تعزز مسار “مدارس الريادة” برؤية تأطيرية متجددة

هيئة التفتيش في صلب الإصلاح: فاس-مكناس تعزز مسار “مدارس الريادة” برؤية تأطيرية متجددة

هشام التواتي

في سياق وطني يتسم بتسارع وتيرة تنزيل إصلاح المنظومة التربوية، احتضنت جهة فاس-مكناس محطة جهوية مفصلية تمثلت في الملتقى الجهوي للمفتش التربوي للتعليم الابتدائي، تحت شعار دال: “الارتقاء بالكفايات التأطيرية ضمانة لتطوير نموذج مدارس الريادة”. لقاء لم يكن مجرد موعد مهني عابر، بل لحظة تأمل جماعي وتقييم مرحلي لمسار إصلاحي يضع جودة التعلمات في صلب أولوياته، ويجعل من هيئة التفتيش رافعة استراتيجية للتغيير.

منذ كلمته الافتتاحية، حرص مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة فاس-مكناس على تثمين الأدوار الطلائعية التي تضطلع بها هيئة التفتيش، منوهاً بـ”المجهودات الاستثنائية” التي يبذلها المفتشون ميدانياً لضمان تنزيل سليم وسلس لمشروع الإصلاح. وأكد، بنبرة واثقة، أن حضورهم القوي إلى جانب الأساتذة، ومواكبتهم المستمرة لمختلف العمليات المرتبطة بالتقييم وتجويد الممارسة الصفية، يشكلان حجر الزاوية في تحقيق التحول المنشود داخل الفصول الدراسية.

ولم يخف المسؤول الجهوي اعتزازه بما وصفه بـ”المؤشرات الرقمية الدالة”، التي تعكس تقدماً ملموساً للجهة مقارنة بالمعدلات الوطنية، خاصة في ما يتعلق بمستويات التحكم في التعلمات. وأوضح أن هذا التقدم هو ثمرة عمل جماعي تقوده هيئة التفتيش، التي تترجم التوجيهات المركزية إلى ممارسات تربوية فعالة على أرض الواقع.

وفي سياق إبراز دينامية مشروع “مدارس الريادة”، كشف مدير الأكاديمية أن أكثر من 65% من مؤسسات التعليم الابتدائي بالجهة انخرطت بالفعل في هذا النموذج، مع طموح لبلوغ أكثر من 80% خلال السنة المقبلة. كما أشار إلى أن السلك الإعدادي بدوره يشهد تقدماً ملحوظاً، حيث يُرتقب أن تصل نسبة الإعداديات المنخرطة إلى 65%، ما يعكس توسعاً تدريجياً ومدروساً لهذا الورش الإصلاحي.

من جهتها، أكدت المفتشة العامة للشؤون التربوية أن هذا الملتقى يشكل “محطة مهنية نوعية ووقفة تأمل جماعية”، تروم توحيد التصورات وتبادل الخبرات، والوقوف عند مكامن القوة لتثمينها، واستشراف سبل التحسين لتطويرها. وأبرزت أن تنظيم هذه اللقاءات الجهوية يأتي استجابة لمطلب مهني ملح عبّر عنه المفتشون في مناسبات سابقة، مضيفة أن أولى أولوياتها عند تولي مهامها كانت الانخراط المباشر مع هذه الهيئة.

وشددت، في خطابها، على أن المفتش لم يعد مجرد فاعل مواكب، بل شريك استراتيجي يمتد دوره من مرحلة التصور إلى مرحلة التنزيل. فقد ساهم، بحسب تعبيرها، في بلورة الاختيارات البيداغوجية، وشارك في إعداد أدوات التنفيذ، ثم واصل حضوره الفعلي في الميدان لضمان جودة التطبيق داخل المؤسسات التعليمية. هذا الامتداد، تضيف، “يعكس الطبيعة الاستراتيجية للمفتشات والمفتشين في إنجاح مشروع مدارس الريادة”.

وفي اعتراف صريح بطبيعة الإصلاح كمسار مفتوح، أكدت المفتشة العامة أن المشروع لا يزال في طور التنزيل، وأنه “قابل للتعديل والتجويد” انطلاقاً من توصيات ومقترحات الفاعلين الميدانيين، خاصة ما سيفرز عن أشغال الورشات.

وفي هذا الإطار، التأمت هيئة التفتيش خلال هذا الملتقى في أربع ورشات موضوعاتية، شكلت فضاءات للنقاش المهني العميق، حيث انصبّ التفكير الجماعي على تحليل الممارسات، وتسليط الضوء على نقاط القوة بهدف تثمينها، مع تشخيص موضوعي لمجالات التحسين. كما شكلت هذه الورشات مناسبة لصياغة توصيات عملية تروم تجويد الأداء التأطيري، وتعزيز أثره المباشر على تعلم التلميذ، باعتباره الغاية النهائية لكل إصلاح.

هكذا، بدا الملتقى الجهوي بفاس-مكناس أكثر من مجرد محطة تنظيمية؛ إنه إعلان واضح عن وعي متقدم بدور التأطير التربوي في قيادة التغيير، وعن إرادة جماعية لتحويل مشروع “مدارس الريادة” من تصور نظري إلى ممارسة يومية ذات أثر ملموس. وبين مؤشرات إيجابية وآفاق طموحة، يظل الرهان معقوداً على استدامة هذا الزخم، وترجمته إلى تحولات عميقة في جودة التعلمات، في أفق مدرسة مغربية أكثر نجاعة وإنصافاً.