فاس… عندما تتحول الطريق إلى الجامعة لمعركة كرامة: مسيرة 13 نونبر تكشف صرخة الطلبة

فاس… عندما تتحول الطريق إلى الجامعة لمعركة كرامة: مسيرة 13 نونبر تكشف صرخة الطلبة

هشام التواتي

ساعة ونصف بعد زوال يوم الخميس 13 نونبر 2025، بدا المشهد مختلفا عند المركبين الجامعيين سايس وظهر المهراز. مئات الطالبات والطلبة، من تخصّصات ومسالك مختلفة، خرجوا في مسيرة سلمية ضخمة نحو مقر الشركة المكلّفة بتسيير حافلات النقل الحضري بظهر المهراز، يحملون لافتات بسيطة وكلمات كبيرة، ويرددون شعارات تلخص غضب سنوات وانتظار أشهر. لم تكن المسيرة مجرد احتجاج؛ كانت لحظة بوح جماعي، لحظة اعتراف بأن التفاصيل الصغيرة : كخط حافلة، أو ثمن اشتراك، أو غرفة في الحي الجامعي، أو وجبة في المطعم، أو منحة تتأخر عن وقتها، قادرة على أن تغيّر مصير الطلاب، وخاصة الطالبات اللواتي يجدن أنفسهن في مواجهة معركة يومية مع المسافة والزمن والجيب.

فمنذ هدم الحي الجامعي ظهر المهراز منذ عشر سنوات، وترحيل الطالبات إلى سايس، تبدّلت جغرافيا الحياة الجامعية رأساً على عقب. كانت الطالبات سابقاً على مسافة دقائق من القاعات، واليوم صرن يستيقظن قبل طلوع الشمس ليخضن سباقاً مع ازدحام أو قلة عدد حافلات الخط31. تسعون  درهما للاشتراك الشهري في خط واحد ليست رقماً بسيطاً لمن تنحدر من أسرة فلاح بسيط في بولمان، أو من عاملة نظافة في صفرو، أو من أم تكافح وحدها في نواحي تاونات. وإن لم تستطعن دفع الاشتراك، فسبعة دراهم ذهاباً وإياباً تصير حملاً ثقيلاً يتكرر كل يوم على مدى سنوات من الدراسة، دون أي مراعاة لخصوصيتهن الاجتماعية ولا لطموحاتهن التي جاءت بهن إلى الجامعة.

بين هتاف وآخر، كانت قصص الطالبات تخرج إلى العلن. تقول أمل، طالبة في كلية العلوم: “كنفيق قبل السادسة باش نلحق على أول حافلة، وإذا تزاحمنا وما ركبناش، نضطر نقلب على تاكسي باش ما نتأخرش على TP. واحد الوقت فظهر المهراز كان الحي قريب بزاف، واليوم المسافة كتزيد والجهد كيتضاعف.”
وتحكي حياة، القادمة من نواحي تاهلة: “ملي شدّونا سايس، حياة الطالبات تقلبات. واش معقول نخرج بنهار كامل على ود الطريق؟! داك 90 درهم راه بالنسبة ليا بحال 300… حشومة وعيب وعار. لا أحد يفكر فينا نحن بنات الجبال والفلاحين.”
أما سارة، طالبة بكلية الآداب، فتلخص المشهد بمرارة: “النقل ولى هاجس. مرات كنضيع حصص مهمة ديال الكلية غير حيت الخط 31 عامر بزاف، أو ماكاينش. هادي ماشي ظروف دراسة، هادي معركة يومية.”
وتضيف مريم: “من حقنا نوصلو لقاعات الدرس بكرامة، بلا صداع، وبلا ما نمدّو يدينا للوالدين كل أسبوع. الاتفاق ديال 13 يناير كان أمل… وبغيناهم غير يطبقوه.”

“العقد شريعة المتعاقدين”، يردد الطلبة كلما عاد الحديث إلى محضر 13 يناير 2025. وثيقة رسمية وقّعتها الأطراف كلها، وتعهدت بموجبها الشركة بتعزيز الأسطول، وإحداث خطوط مباشرة، وتخفيض ثمن الاشتراك، على غرار مدن جامعية أخرى كتازة ووجدة والناظور. يوم توقيع الاتفاق أوقف الطلاب الاحتجاجات. الجامعة من جهتها اشتغلت على البنية التحتية والشؤون البيداغوجية، والطلبة انتظروا في صبر. واليوم، كما يقول بعضهم، الكرة توجد في ملعب المسؤولين الترابيين، وعلى رأسهم والي الجهة الذي يعوّل عليه الجميع لإنهاء هذا الملف بما يضمن كرامة الطلبة ويحفظ استقرار حياتهم الجامعية.

ورغم الإشاعات التي تنتشر هنا وهناك، تؤكد مصادر منصة UniversitaTV أن العمل جاري فعلاً لإيجاد صيغة واضحة وقابلة للتنفيذ، سواء عبر خطوط مباشرة نحو ظهر المهراز أو تخفيض كلفة الاشتراك أو أي حل يضمن للطلبة ـ خاصة الطالبات ـ سهولة التنقل دون إثقال كاهلهن بما لا طاقة لهن به.

المسيرة التي انتهت بوقفة حاشدة أمام مقر الشركة حملت رسالة لا تحتاج إلى ترجمة. شعارات الطلبة كانت صريحة، قوية، وإنسانية في آن واحد:
“هذا حق الطلبة… والمطالب تجي دبا”
“مامفاكينش على الخطوط”
“أين هو الخط المباشر؟”
“أين وعود 13 يناير؟”
“لا للخوصصة… والشركة ما عندها بلاصة!”

اليوم لم يكن مجرد احتجاج؛ كان إعلاناً واضحاً بأن الجامعة ليست مدرجات فقط، بل فضاء للكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص. كانت خطوة جديدة في مسار طويل من الدفاع عن حق بسيط: أن يصل الطالب والطالبة إلى دروسهما بلا خوف من التأخر، بلا استنزاف لميزانية الأسرة، وبلا أن يتحول الطريق إلى اختبار يومي للإرادة والصبر.

ومثل كل المعارك الطلابية عبر التاريخ، يبدأ التغيير حين يقرر الطلبة أن يقولوا: “كفى.” واليوم، قالوها بصوت واحد.