عدسة الصحافة المدرسية تنقل تلميذة من ذوي الهمم بفاس إلى تكريم استثنائي من الوزير محمد سعد برادة
هشام التواتي
لم تكن ثمة ترشيحات رسمية وراء وقوف خديجة الأكحل على هذه المنصة، بل كان هناك هاتفان: الأول حمله أستاذ الصحافة المدرسية ليصور الحلم، والثاني حمله مستشار الوزير ليُسمع الوزيرَ صوتها. كانت تقف الآن بين صفوة المتفوقين الذين استقبلتهم وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة في حفلها الرسمي بالرباط، لكن الطريق الذي سلكته مختلف في كل تفاصيله، يبدأ من حفل نظمته مديرية فاس قبل أيام قليلة، حيث جلست بين زملائها تلميذة من ذوي الهمم، وحين قدمت لها الصحافة المدرسية الميكروفون، لم تتردد في توجيه كلماتها مباشرة إلى السيد محمد سعد برادة، وزير القطاع: "السلام عليكم ورحمة الله، السيد الوزير، أنا تلميذة من ذوي الهمم، حاصلة على 19.28 في معدل الدورة الثانية و18.25 بالامتحان الجهوي، وأود أن أتقاسم معكم هذا النجاح وأتمنى لقاءك في أقرب وقت".
بمجرد أن التقط أستاذ الصحافة المدرسية ذلك المقطع بهاتفه، بادر إلى تقاسمه مع السيد مستشار وزير التربية الوطنية عبر هاتفه الشخصي. هنا تحولت كاميرا الصحافة المدرسية، التي كانت توثق وقائع حفل المديرية الإقليمية، إلى قناة اتصال مباشر بين الحلم وصانع القرار. تجاوب المستشار في وقت وجيز، مؤكدًا أن الوزير اطلع شخصيًا على النداء، وأن الاستقبال سيكون خلال حفل التميز الرسمي الذي تنظمه الوزارة بالرباط. كان تصريح خديجة عفويًا، لكنه حمل إرادة فتاة اعتادت ألا تنتظر الفرص، بل أن تصنعها، وحين تحول إلى موعد مضروب على أجندة الوزارة، لم يعد اللقاء مجرد أمنية علقتها تلميذة على جدار التمني.
وفاءً بالوعد، تحركت الترتيبات بسلاسة نادرة. وفرت مديرية فاس وسيلة نقل خاصة أقلت خديجة ووالديها من فاس إلى العاصمة، حيث أمضوا ليلتهم في أحد فنادق الرباط على نفقة الوزارة، في بادرة تجاوزت منطق الخدمات اللوجستية لتصبح احتضانًا إنسانيًا لعائلة لم تسمح للإعاقة أن تسرق حلم ابنتها، وراهنت على التعليم كطريق وحيد للعبور. وفي صباح الجمعة، كان الحفل الرسمي ينتظرها، وكان التكريم الخاص من السيد الوزير تتويجًا لرحلة لم تبدأ من الرباط، بل من فصول مدرسة عبد القادر الفاسي، حيث كانت خديجة تخوض معركتها اليومية بهدوء لا يخلو من شراسة المثابرين.
تلك المعركة لم تكن يسيرة على تلميذة من ذوي الهمم في الثالثة إعدادي، لكن خديجة دخلتها بإصرار لا يعرف الانكسار، فحصدت أعلى معدل جهوي في فئتها. ولم تكن وحدها في الطريق؛ رافقتها المديرية الإقليمية بفاس عن كثب منذ الأسدس الأول، مقدمة كل التسهيلات الدراسية الممكنة. وبالتوازي، أثمرت الشراكة بين منظمة محمد الخامس لرعاية الضرير والمنظمة العلوية لرعاية المكفوفين عن برمجة مجموعة من الأنشطة، بداية الموسم المقبل، منها طريقة برايل. وذلك حتى تتمكن هي وأقرانها من القراءة والكتابة بها.
حين صعدت خديجة منصة التكريم في الرباط، لم تكن تحمل معها فقط شهادة الاعتراف بالتميز، بل حملت أيضًا امتنانًا عميقًا لرجل استمع إلى صوتها الذي التقطته عدسة الصحافة المدرسية وقرر أن يفتح الباب. شكرته بكلمات بسيطة نابعة من قلب شعر أن تعبها لم يضع، وأن صوتها الذي انطلق من حفل فاس وجد أذنًا تصغي في العاصمة. وبينما كان الحفل يمضي في فقراته، بقي في الخلفية درس نادر: أن الصحافة المدرسية يمكنها أن تختصر المسافة بين فاس والرباط، وأن تذكّر الجميع بأن أقصر الطرق إلى التكريم تبدأ حين يصدح صوت تلميذ بالحقيقة، ويجد من يحسن الإصغاء.
